منبر الكلمة

الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية… لماذا يختار الأردن طريق العقل؟

 

عدنان نصّار

في الشرق الأوسط، لا تحتاج الحروب إلى إعلانٍ رسمي كي تبدأ. يكفي أن ترتفع وتيرة التوتر، وأن تتحرك حاملات الطائرات، وأن تمتلئ السماء برسائل النار المتبادلة، حتى يدرك الجميع أن المنطقة تقف مرةً أخرى على حافة مواجهة كبرى..وفي قلب هذا المشهد المضطرب، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الصراعات الإقليمية، يجد الأردن نفسه أمام اختبار سياسي جديد، عنوانه: كيف تحمي الدولة استقرارها وسط عاصفةٍ تتجاوز حدود الجغرافيا.؟

الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية محتملة، بل معادلة إقليمية معقدة تحمل في طياتها احتمالات مفتوحة، من التصعيد المحدود إلى الانفجار الواسع. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح موقف الدول الصغيرة نسبيًا في ميزان القوة أكثر حساسية، لأن أي قرار خاطئ قد يضعها في قلب صراعٍ أكبر منها.
هنا تحديدًا يمكن فهم الموقف الأردني الذي يبدو هادئًا في ظاهره، لكنه قائم على حسابات دقيقة. فالأردن يدرك أن الانخراط في صراعات المحاور ليس خيارًا بسيطًا، وأن الاصطفاف الحاد في منطقة متفجرة قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا.

لقد تعلّم الأردن عبر تاريخه السياسي أن الجغرافيا في هذه المنطقة ليست مجرد حدود على الخريطة، بل قدرٌ سياسي يفرض على الدولة أن تكون يقظة في كل لحظة. ولذلك فإن السياسة الأردنية تميل غالبًا إلى إدارة الأزمات بدل الانجرار إليها، وإلى البحث عن مساحات التهدئة في زمن التصعيد.

الأولوية في عمّان تبقى واضحة: حماية الداخل.
فالدولة التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية لا يمكنها أن تتحمل كلفة حرب إقليمية جديدة، ولا أن تضيف إلى أعبائها السياسية معارك ليست جزءًا من حساباتها الوطنية المباشرة.
لكن المسألة لا تتعلق بالأردن وحده. فعمّان تدرك أن أي مواجهة واسعة في المنطقة لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين. فالشرق الأوسط بطبيعته السياسية يشبه شبكةً متداخلة؛ إذا اهتز أحد خيوطها اهتزت الشبكة كلها.
لهذا تبدو الدبلوماسية الأردنية، في كثير من الأحيان، أقرب إلى صوتٍ يدعو إلى خفض التوتر بدل الاندفاع نحو المواجهة. فالحروب في هذه المنطقة غالبًا ما تبدأ بسرعة، لكنها نادرًا ما تنتهي بسرعة، وغالبًا ما تترك وراءها خرائط جديدة من الأزمات.

لهذا السبب يختار الأردن طريق العقل في زمنٍ ترتفع فيه أصوات الحرب.
ليس لأن هذا الطريق هو الأسهل، بل لأنه الطريق الذي يحفظ للدولة توازنها في إقليمٍ يزداد اضطرابًا كل يوم.
فالسياسة، في جوهرها، ليست فقط فن اتخاذ القرار، بل أيضًا فن تجنّب القرارات التي قد تقود إلى الكارثة.
وفي منطقةٍ اعتادت العيش على حافة العاصفة، قد تكون الحكمة الأردنية اليوم محاولة أخرى لإثبات أن صوت العقل، مهما بدا هادئًا، يبقى أحيانًا الصوت الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من الاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى