منبر الكلمة

صندوق تقاعد المهندسين في الأردن… تحديات الاستدامة وخيارات الإصلاح الصعبة

بقلم: المهندسة نوال الزعبي
مساعدة الأمين العام لـحزب القدوة الأردني

في ظل التحولات الاقتصادية والضغوط المالية التي تواجه العديد من صناديق التقاعد المهنية، يبرز صندوق التقاعد في نقابة المهندسين الأردنيين كأحد الملفات التي تتطلب قراءة واقعية ومسؤولة، تقوم على الشفافية والجرأة في الطرح، والبحث الجاد عن حلول تضمن الاستدامة المالية وتحافظ في الوقت ذاته على الحقوق المكتسبة للمتقاعدين.
لقد تشرفت بعضويتي في اللجنة التوجيهية لصندوق التقاعد، والتي ترأسها نائب نقيب المهندسين السيد أحمد الفلاحات، وبمشاركة المدير التنفيذي للصندوق السيد أحمد البو، إلى جانب نخبة من الزملاء أعضاء اللجنة. وقد عملت اللجنة على مدار أشهر بروح الفريق الواحد، واضعة نصب أعينها هدفًا واضحًا يتمثل في حماية الصندوق وضمان استدامته للأجيال القادمة.
استندت أعمال اللجنة إلى قراءة مالية معمقة لمسار الصندوق منذ تأسيسه، وتحليل دقيق لمعطيات الإيرادات والالتزامات، وهو ما كشف عن تحديات مالية حقيقية لا يمكن تجاهلها أو تأجيل التعامل معها.
ومن أبرز هذه التحديات:
وصول فاتورة الرواتب التقاعدية إلى أكثر من 60 مليون دينار سنويًا.
توقع ارتفاع هذه الفاتورة لتتجاوز 100 مليون دينار مع نهاية عام 2026.
زيادة أعداد المهندسين المتقاعدين بمعدل يقارب 1300 متقاعد سنويًا، وبكلفة إضافية تتجاوز 2 مليون دينار سنويًا.
عدم تجاوز إيرادات الاشتراكات 35 مليون دينار سنويًا.
ضعف التدفقات النقدية للمحفظة الاستثمارية، حيث إن نحو 10% فقط من الاستثمارات تحقق عوائد نقدية مباشرة.
هذه الأرقام تعكس بوضوح وجود اختلال هيكلي متراكم بين الإيرادات والالتزامات، وهو ما يفرض ضرورة التحرك نحو إصلاحات مدروسة تضمن بقاء الصندوق قادرًا على الوفاء بالتزاماته مستقبلاً.
وفي إطار البحث عن حلول عملية، تم تشكيل فرق عمل متخصصة تناولت المحاور الاكتوارية والاستثمارية والتشريعية، إلى جانب مراجعة هيكل الأصول وتدقيق محفظة القروض والمشاريع المتعثرة. كما عقدت اللجنة سلسلة واسعة من الاجتماعات وورش العمل، إضافة إلى لقاءات مع خبراء وأعضاء من الهيئة العامة للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم.
وقد أسهم العرض الفني المفصل الذي قدمه المدير التنفيذي للصندوق في إيضاح حجم الاختلالات التراكمية، ما وفر قاعدة بيانات واضحة للنقاش والتقييم المهني.
وخلصت اللجنة إلى إعداد مسودة مقترحات فنية لمعالجة فاتورة الرواتب التقاعدية غير المدفوعة، تضمنت عدة سيناريوهات إصلاحية، من أبرزها:
دفع 80% من المستحقات دون حق الرجوع.
تخفيض الرواتب التقاعدية بنسبة 30% إلى 65%.
تجميد صرف الرواتب لمدة ثلاث سنوات مع رفع سن التقاعد.
تجميد الصرف ثلاث سنوات دون رفع سن التقاعد.
خروج من استلم ثلاثة أضعاف المبالغ المدفوعة مع تخفيض 30%.
خروج من استلم ثلاثة أضعاف المبالغ المدفوعة مع تخفيض 50%.
تخفيض 50% من فاتورة الرواتب التقاعدية و50% من الرصيد التقاعدي دون حق الرجوع.
وتشير التقييمات الأولية إلى أن المقترح السابع قد يحقق أعلى درجة من الاستدامة المالية، كونه يجمع بين خفض الالتزامات الفورية وعدم توليد عجز جديد، إضافة إلى توفير مساحة لإعادة بناء محفظة استثمارية قادرة على تحقيق عوائد مستدامة، مع الحفاظ على حد مقبول من الحماية الاجتماعية للمتقاعدين.
ومع ذلك، من المهم التأكيد أن هذه المخرجات ليست قرارات نهائية، بل مسودات فنية ستخضع لمراجعات اكتوارية وقانونية ومهنية قبل عرضها على الجهات المختصة ضمن المسار المؤسسي المعتمد.
مقترحات لتعزيز مسار الإصلاح
وانطلاقًا من الحرص على مستقبل الصندوق واستدامته، يمكن طرح مجموعة من المقترحات التي قد تسهم في دعم مسار الإصلاح، من أبرزها:
إعادة هيكلة المحفظة الاستثمارية والتركيز على الاستثمارات المدرة للدخل النقدي.
تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة الصندوق لضمان أعلى مستويات الثقة لدى أعضاء النقابة.
إجراء تقييمات اكتوارية دورية لمراقبة التوازن بين الإيرادات والالتزامات.
تنويع مصادر الاستثمار والبحث عن فرص استثمارية أكثر استدامة.
إشراك الهيئة العامة للمهندسين في النقاش حول خيارات الإصلاح لضمان توافق مهني واسع حول القرارات المستقبلية.
إن حماية صندوق تقاعد المهندسين ليست مسؤولية لجنة أو مجلس بعينه، بل هي مسؤولية جماعية للمؤسسة النقابية ولجميع المهندسين، لأن القرارات التي ستُتخذ اليوم ستحدد شكل الأمان الاجتماعي للمهندس الأردني لعقود قادمة.
وفي النهاية، يبقى الهدف الأساس هو الوصول إلى معادلة متوازنة تجمع بين العدالة للمتقاعدين والاستدامة المالية للصندوق، بما يضمن استمرار هذه المؤسسة المهنية المهمة وحماية حقوق أعضائها، وتعزيز الثقة بمستقبل منظومة التقاعد في النقابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى