الأردن تحت اختبار الوعي.. من سلاح الإشاعة إلى درع الإدراك الوطني

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بعدد بياناتها الرسمية، بل بقدرتها على حماية وعيها الجمعي. نحن لا نعيش مجرد تصعيد عسكري في الإقليم، بل نعيش تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع؛ صراع تُدار فيه المعارك عبر الشاشات بقدر ما تُدار في السماء وعلى الأرض، وتتحول فيه الإشاعة إلى أداة تأثير استراتيجي، تستهدف الثقة قبل أي بنية تحتية.
الإشاعة الرقمية، لم تعد خبرًا غير دقيق يتداوله الناس بحسن نية، بل أصبحت – في كثير من السياقات – جزءًا من عمليات تأثير معلوماتي ممنهجة. تصاغ الرسالة بعناية، تشحَن بعاطفة مقصودة، يختار توقيتها بدقة، ثم تضخ عبر شبكات متداخلة من الحسابات لإنتاج حالة تضخيم خوارزمي تتجاوز حجمها الحقيقي. في هذا الإطار، تشير أبحاث منشورة عن معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا، إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر أسرع بنسبة تقارب 70 % من الأخبار الصحيحة، وأن احتمالية إعادة نشرها ترتفع بشكل ملحوظ عندما تكون مثيرة للغضب أو الخوف. نحن أمام معادلة واضحة.. كلما زادت الاستثارة، تسارع الانتشار.
في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة، يشار إلى هذا النمط بمفهوم “الحرب الإدراكية”، وهو توصيف تناولته تقارير حلف شمال الأطلسي بوصفه نمطًا من الصراع يستهدف الإدراك والسلوك العامين عبر أدوات معلوماتية. الهدف ليس فرض رواية واحدة، بل إغراق المشهد بروايات متناقضة تربك القدرة على التمييز. حين تتآكل الثقة بالمصادر، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، ويغدو الاستقطاب نتيجة طبيعية.
الأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي وتعقيدات محيطه الإقليمي، يدرك أن استقرار الجبهة الداخلية ركيزة أمنية لا تقل أهمية عن أي جاهزية ميدانية. ومع وجود ما يزيد على تسعة ملايين اشتراك خلوي داخل المملكة، وانتشار واسع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاعف سرعة انتقال المعلومة، وتزداد احتمالية تضخيمها خارج سياقها. في بيئة كهذه، قد يتحول مقطع مجتزأ أو تصريح غير موثق إلى موجة قلق عامة خلال دقائق.
خطورة الإشاعة في زمن الحرب لا تكمن في محتواها فقط، بل في لحظة ظهورها. الفراغ المعلوماتي، ولو كان مؤقتًا، يخلق مساحة خصبة للتأويل. في تلك اللحظة الفاصلة بين الحدث والتوضيح الرسمي، تتكاثر التحليلات غير المستندة إلى بيانات، ويغلب الانفعال على التحقق. الدراسات السلوكية تشير إلى أن المحتوى المشحون عاطفيًا تزيد احتمالية مشاركته بأكثر من 50 %، مقارنة بالمحتوى المحايد. وهذا ما يجعل ضبط الاستجابة العاطفية جزءًا من منظومة الأمن الوطني.
على المستوى المؤسسي، شهدت المملكة تطورًا في البنية الرقمية وأطر الحوكمة السيبرانية، بدعم من جهات رسمية من بينها وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، إضافة إلى تعزيز أدوات الرصد والتحليل. غير أن أي إطار تشريعي أو تقني، مهما بلغت كفاءته، لا يمكن أن يعوض غياب الوعي الفردي. فالأمن الرقمي، لم يعد شأنًا تقنيًا محضًا، بل سلوكًا يوميًا يبدأ من قرار بسيط.. هل أتحقق قبل أن أشارك؟
إن مقاومة الإشاعة لا تعني تقييد الفضاء الرقمي، بل إعادة تعريف علاقتنا بالمعلومة. التحقق من تعددية المصادر، قراءة السياق الكامل، فحص هوية الحسابات الناشرة، والتريث قبل إعادة النشر، ليست إجراءات شكلية، بل أدوات استراتيجية لخفض “معامل الانتشار” الذي يحدد مدى توسع الرسالة داخل الشبكة الاجتماعية. الامتناع الواعي عن مشاركة خبر غير مؤكد قد يقطع سلسلة تضليل تمتد إلى آلاف المستخدمين.
الأثر لا يتوقف عند البعد الإعلامي. الاقتصاد، في جوهره، يقوم على الثقة. أي خبر مضلل حول إمدادات أو قرارات سيادية قد يولد سلوكًا استهلاكيًا أو ماليًا مبنيًا على خوف غير مبرر. وهنا تتحول الإشاعة إلى ضغط غير مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. من هذا المنطلق، يصبح الوعي المعلوماتي جزءًا من حماية المنظومة الوطنية ككل.
حرية التعبير قيمة راسخة، لكنها في زمن الحرب تكتسب بعدًا أخلاقيًا مضاعفًا. الكلمة ليست مجرد رأي؛ إنها أثر. وإعادة النشر ليست مجرد تفاعل؛ إنها مساهمة في تشكيل المزاج العام. الفارق بين النقد المسؤول والترويج غير المقصود لرواية مضللة، يكمن في معيار “الدقة والتحقق”.
وفي نهاية المطاف، الوطن خط أحمر رقميًا كما هو جغرافيًا، الإشاعة الرقمية ليست مجرد خبر كاذب؛ إنها اختبار لوعينا الجمعي. في زمن تتقاطع فيه الخوارزميات مع الجغرافيا، يصبح الانتماء فعلًا يوميًا يتجلى في أبسط السلوكيات.. ماذا نصدق؟ ماذا نشارك؟ ومتى نصمت؟
الأردن لم يكن يومًا دولة رد فعل، بل دولة اتزان وحكمة. قوته لم تأتِ فقط من موقعه، بل من تماسك شعبه وثقته بمؤسساته. وفي معركة الوعي، كل هاتف محمول يمكن أن يكون خط دفاع أول، أو ثغرة.
الوطن لا تتم حمايته بالسلاح وحده، بل بالوعي. ولا يُصان بالحدود فقط، بل بالمسؤولية الرقمية. وفي لحظة تاريخية تتسارع فيها الأحداث، يبقى الخيار بأيدينا.. أن نكون جسورًا للحقيقة، أو ممرات للعبث بالامن والسلام . فلنختر أن نكون على قدر الأردن.
* مطورة للمدن الذكية والاقتصاد الرقمي



