الأردن بين الصبر والإصلاح… حين تصبح الكرامة مطلبًا سياسيًا

عدنان نصّار
ليست المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، ولا في الضرائب التي تتكاثر بصمت، ولا في الأجور التي تتآكل مع كل صباح.
المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتحول الكرامة إلى بندٍ مؤجل في جدول السياسات العامة.
في عالمنا العربي، اعتدنا أن تُختزل الأزمات في أرقام: نسبة تضخم، عجز موازنة، مديونية عامة، اتفاقيات إصلاح. لكن خلف هذه الأرقام وجوهٌ متعبة، وبيوتٌ تحسب أيامها على إيقاع الفاتورة القادمة، وشبابٌ لم يعد يحلم بالنجاح… بل بالنجاة.
الأخطر من الفقر هو الإحساس بالعجز.
والأخطر من البطالة هو الشعور بأن الجهد لا قيمة له.
حين يفقد المواطن ثقته بأن صوته مؤثر، وأن مشاركته تصنع فرقًا، يبدأ الانسحاب الداخلي. لا احتجاج، لا صخب، لا شعارات. فقط صمت بارد.
وهذا الصمت ليس استقرارًا… بل إنذارٌ مؤجل.
الدول القوية لا تُقاس بقدرتها على ضبط الشارع، بل بقدرتها على كسب ثقة الناس.
والثقة لا تُبنى عبر حملات إعلامية، ولا عبر خطابات مطمئنة، بل عبر عدالة ملموسة في توزيع الأعباء والفرص.
وإذا اقتربنا من الحالة الأردنية تحديدًا، فإن الصورة تبدو أكثر حساسية. فالأردن، الذي عُرف تاريخيًا باستقراره السياسي وسط إقليم مضطرب، يقف اليوم أمام اختبار اقتصادي واجتماعي دقيق. معدلات بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، وطبقة وسطى تتآكل تحت ضغط الضرائب وارتفاع كلفة المعيشة، وقطاعات إنتاجية تبحث عن دفعة ثقة حقيقية لا عن وعود مؤجلة.
الشارع الأردني لا يعيش حالة صدام، لكنه يعيش حالة سؤال. سؤال عن العدالة الضريبية، عن جدوى السياسات المتعاقبة، عن مستقبل أبنائه في سوق عمل محدود الفرص. المواطن الأردني اعتاد الصبر، بل أتقنه، لكنه اليوم يريد وضوحًا أكبر: إلى أين نمضي؟ وما هو الأفق الواقعي للخروج من الضيق الاقتصادي؟
في الأردن، لا تكمن الخطورة في الاحتجاج، بل في الإحساس المتزايد بأن العبء لا يُوزَّع بعدالة. حين يشعر الموظف الصغير وصاحب المشروع المحدود أن كلفة الإصلاح تقع على كتفيه وحده، بينما تبقى الامتيازات الكبرى بعيدة عن المراجعة، فإن فجوة الثقة تتسع بصمت. وهذه الفجوة، إن لم تُعالَج بشفافية ومصارحة وإجراءات ملموسة، قد تتحول إلى أزمة ثقة طويلة الأمد.
الأردن يمتلك رصيدًا مهمًا من الوعي المجتمعي والاعتدال السياسي، ويمتلك مؤسسات دولة راسخة، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب شجاعة اقتصادية موازية لشجاعته السياسية. الإصلاح لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية لحماية الاستقرار الذي طالما كان نقطة قوة البلاد.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية؛ إنه اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
هل المواطن شريك فعلي في صناعة القرار؟
أم أنه متلقٍّ لنتائج سياسات لم يُستشر فيها؟
لقد أصبح واضحًا أن تحميل الطبقة الوسطى وحدها كلفة الإصلاح لم يعد ممكنًا. هذه الطبقة كانت تاريخيًا صمام الأمان الاجتماعي، وحين تتآكل، يتآكل معها الاستقرار نفسه. العدالة الضريبية لم تعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. والشفافية لم تعد رفاهية ديمقراطية، بل شرطًا لبقاء الثقة.
لا يمكن الاستمرار في خطابٍ يطالب بالصبر دون أن يقدم أفقًا واضحًا. الصبر طاقة إنسانية، لكنه ليس سياسة دائمة. حين يصبح الصبر هو الخطة الوحيدة، فإننا لا ندير أزمة… بل نؤجل انفجارها.
العالم يتغير بسرعة، والمنطقة تعيد تشكيل تحالفاتها، والاقتصاد العالمي يمر بتحولات عميقة، وسوق العمل يعاد تعريفه يوميًا. في خضم كل ذلك، لا يمكن أن تبقى الإدارة العامة بعقلية الأمس. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف: الاعتراف بالأخطاء، وبسوء التقدير أحيانًا، وبأن السياسات ليست معصومة.
الشعوب لا تطلب المستحيل.
هي تطلب وضوحًا، ومصارحة، وعدالة في الفرص.
تطلب أن ترى أثر الضرائب في خدمات حقيقية، وأثر الخطط في تحسن ملموس، وأثر المشاركة في قرارات تعنيها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الغضب، بل اللامبالاة.
الغاضب ما زال مؤمنًا بإمكانية التغيير،
أما اللامبالي، فقد فقد الأمل.
الكرامة ليست مطلبًا عاطفيًا، بل جوهر العقد الاجتماعي.
وحين تصبح الكرامة مطلبًا سياسيًا ملحًا، فذلك يعني أن الوقت قد حان لإصلاحٍ أعمق من مجرد أرقام في موازنة.
السؤال اليوم ليس: هل نستطيع الاستمرار بالنهج ذاته؟
بل: هل نملك شجاعة تغييره قبل أن تتأزم حالة “الصمت البارد” وتفرض مسارات غير حميدة؟



