
الأردن أمام العالم.. موقف ثابت في زمن المتغيرات
بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتداخل فيه الحروب والأزمات مع صراع المصالح والنفوذ، تأتي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين في لحظة دولية استثنائية، تجعل من نيويورك أكثر من مجرد عاصمة للاجتماعات الدبلوماسية؛ فهي محطة لاختبار قدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ التي يعلنها إلى مواقف وسياسات قادرة على حماية الأمن والسلام وحقوق الشعوب.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة في ظل الأزمات الإقليمية والدولية المتشابكة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب ملفات الأمن والسلام والتنمية والمناخ والصحة والتحديات التي تواجه النظام الدولي. وتنعقد الدورة تحت شعار: «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، وهو شعار يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حقيقية في ترجمة الأقوال إلى أفعال.
وفي قلب هذا المشهد، يحضر الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملاً موقفًا واضحًا وثوابت راسخة، ومؤكدًا أن المملكة دولة فاعلة في محيطها، تمتلك رؤيتها ومصالحها ودورها السياسي والدبلوماسي.
إن مشاركة جلالة الملك في اجتماعات الجمعية العامة ليست مشاركة بروتوكولية في مناسبة دولية دورية، وإنما حضور سياسي ودبلوماسي على واحد من أهم المنابر الدولية، لعرض الموقف الأردني، والدفاع عن المصالح الوطنية، والتأكيد على القضايا التي تمثل أولوية للمملكة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس والأمن والاستقرار الإقليمي.
كما أن اللقاءات التي يعقدها جلالة الملك مع قادة الدول ورؤساء الوفود على هامش الاجتماعات تمثل جانبًا أساسيًا من العمل الدبلوماسي، لما تتيحه من حوار مباشر، وتنسيق للمواقف، وشرح للرؤية الأردنية، وبناء للتفاهمات حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
القضية الفلسطينية.. قضية لا تحتمل التأجيل
وفي خضم الملفات الدولية المتعددة، تبقى القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن قضية مركزية لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها ملفًا مؤجلًا.
فاستمرار الصراع من دون أفق سياسي عادل لا يطيل معاناة الشعب الفلسطيني فحسب، بل ينعكس على أمن المنطقة واستقرارها، ويعمق الأزمات ويجعل الوصول إلى سلام دائم أكثر صعوبة.
ومن هنا، تنطلق الرسالة الأردنية من قناعة واضحة بأن الأمن المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون سلام عادل، وأن السلام لا يمكن أن يتحقق من دون حل سياسي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويحمي أسس الاستقرار في المنطقة.
والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي ومسؤولياته تجاه القدس والمقدسات، معني بصورة مباشرة بأي تطورات تمس مستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها.
فالقدس ليست مجرد عنوان سياسي في الخطاب الأردني، وإنما قضية ترتبط بتاريخ الأردن ودوره ومسؤولياته، ولذلك يظل الحفاظ على هويتها ومكانتها وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها جزءًا راسخًا من الموقف الأردني.
القانون الدولي.. اختبار للثقة الدولية
إن أحد أهم الأسئلة المطروحة اليوم أمام المجتمع الدولي هو: هل تبقى قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية مبادئ معلنة، أم تتحول إلى قواعد تطبق بصورة متساوية على الجميع؟
إن احترام القانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، لأن ازدواجية المعايير تضعف الثقة بالمؤسسات الدولية وتزيد من تعقيد الأزمات، في وقت يحتاج فيه العالم إلى قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على التعامل مع الأزمات وفق أسس ثابتة.
ومن هنا تأتي أهمية الصوت الأردني، الذي يؤكد على الحوار والدبلوماسية واحترام القانون الدولي، ويدعو إلى معالجة الأزمات من خلال الحلول السياسية، بعيدًا عن منطق التصعيد والاستقطاب.
الأردن.. ثوابت وطنية ودبلوماسية فاعلة
إن قوة الأردن لا تقاس بحجم موارده وإمكاناته المادية فقط، وإنما أيضًا بقدرته على قراءة التحولات الدولية، والحفاظ على ثوابته، والدفاع عن مصالحه الوطنية، والحضور الفاعل في القضايا التي تمس أمنه والمنطقة.
والدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، تقوم على الحضور والتواصل والحوار، وعلى بناء العلاقات والتفاهمات مع مختلف الأطراف، بما يخدم المصالح الوطنية الأردنية ويعزز حضور المملكة في محيطها العربي والدولي.
كما أن اجتماعات الجمعية العامة لا تنحصر في الملفات السياسية، بل تتناول قضايا تمس مستقبل الشعوب والدول، من التنمية المستدامة والعمل المناخي، إلى الصحة والجوائح والتحديات العالمية المتصاعدة، الأمر الذي يجعل المشاركة الأردنية فرصة لعرض الأولويات الوطنية والمساهمة في النقاش الدولي الأوسع.
الأردن أمام العالم
إن الأردن اليوم أمام العالم يحمل رسالة واضحة: دولة متمسكة بأمنها واستقرارها، ومدافعة عن مصالحها الوطنية، وداعمة للسلام، ومتمسكة بالقانون الدولي، ومؤمنة بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يبنى على الحروب والأزمات، وإنما على الحلول السياسية والتعاون واحترام حقوق الشعوب.
ومن هنا، فإن قيمة المشاركة الأردنية في اجتماعات الجمعية العامة لا تقاس بعدد الكلمات أو اللقاءات، وإنما بقدرتها على إيصال الموقف الأردني، وتعزيز حضور المملكة، والدفاع عن مصالحها، والإسهام في النقاش الدولي حول مستقبل المنطقة.
وفي هذه المرحلة الدقيقة، يحتاج العالم إلى أصوات مسؤولة لا تزيد الانقسام، وإلى دبلوماسية تبحث عن الحلول، وإلى مواقف واضحة تحافظ على المبادئ والثوابت في ظل تغير موازين القوى.
ومن نيويورك، كما من عمّان، تبقى الرسالة الأردنية واحدة:
الأردن مع السلام، مع الاستقرار، مع القانون الدولي، ومع حق الشعوب في الأمن والكرامة والعدالة، وستبقى القضية الفلسطينية والقدس في صميم ثوابته الوطنية والسياسية.
إنها رسالة دولة تعرف موقعها، وتدرك حجم مسؤولياتها، وتتمسك بثوابتها في زمن المتغيرات، وتؤمن بأن الحضور السياسي الحقيقي يجمع بين وضوح الموقف، وهدوء الدبلوماسية، وحماية المصالح الوطنية.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه الحسابات، يبقى الأردن ثابتًا في موقفه، واضحًا في رسالته، حاضرًا في قضايا أمته، ومدافعًا عن أمنه واستقراره ومصالحه الوطنية.
