إن فقد الإنسان معنى أن يكون، فكيف يكون؟

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٢/١١
القس سامر عازر
يقول الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب: «إن فقد الإنسان معنى أن يكون فكيف يكون»، وهي عبارة تختصر أزمة الإنسان المعاصر حين يفقد بوصلة المعنى وعمق الغاية. فالمقصود ليس مجرد الوجود البيولوجي أو الحضور العابر على مسرح الحياة، بل معنى الكينونة الإنسانية التي وُهبت نفخة من روح الله ورسالة تتجاوز حدود الذات إلى خدمة الخير العام، وإعمار الأرض، والسعي إلى كشف أسرار الكون وتسخيرها لما يليق بكرامة الإنسان.
فالإنسان لم يُخلق ليكون رقماً في زحام الأيام، ولا مستهلكاً للزمن، بل شاهداً على القيم، حاملاً لرسالة، وصانعاً للأمل. وحين يفقد الإنسان معنى وجوده، يتحول إلى جسد يتحرك بلا روح، وعقل يعمل بلا بوصلة، وقلب ينبض بلا غاية، وتكنولوجيا بدون قيم أخلاقية، وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ أن يعيش الإنسان دون أن يعرف لماذا يعيش، وأن يسير دون أن يعرف إلى أين يتجه.
لقد أشار إلى هذه الأزمة عدد من الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. فسقراط رأى أن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش، لأن الإنسان يفقد ذاته إن لم يسعَ إلى معرفة الحقيقة ومعرفة نفسه. وأفلاطون تحدّث عن عالم القيم والمعنى بوصفه الأصل الذي يمنح الوجود قيمته، بينما اعتبر أرسطو أن غاية الإنسان تكمن في تحقيق الفضيلة والسعادة من خلال الفعل الأخلاقي الواعي. أما في الفكر الوجودي الحديث، فقد نبّه فيكتور فرانكل إلى أن البحث عن المعنى هو الدافع الأعمق للإنسان، وأن فقدانه يقود إلى الفراغ الوجودي والانهيار الداخلي، بينما رأى مارتن هايدغر أن الإنسان إذا انغمس في سطحية الحياة اليومية فقد أصالته ونسي سؤال الوجود.
وفي التراث الروحي، نجد أن الرسالات السماوية أكدت أن الإنسان خليفة في الأرض، مسؤول عن إعمارها بالعدل والمحبة والسلام. فمعنى أن يكون الإنسان هو أن يكون شاهداً للحق، صانعاً للخير، وراسماً لمسار إنساني يليق بالكرامة التي منحها الله له. وعندما يغيب هذا المعنى، تتحول الحرية إلى فوضى، والقوة إلى استبداد، والعلم إلى أداة بلا أخلاق.
إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الفقر المادي ولا قسوة الظروف، بل ضياع المعنى. فالذي يفقد معنى أن يكون، قد يفقد إنسانيته قبل أن يفقد حياته، وقد يعيش طويلاً لكنه بلا أثر. أما الذي يدرك رسالته، فيزرع بذور الخير ولو في أرض قاحلة، ويصنع من الألم معنى، ومن التحديات فرصاً للنمو والتجدد.
لذلك تبقى مسؤوليتنا، كأفراد ومجتمعات، أن نعيد اكتشاف معنى الإنسان في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه القيم أحياناً وسط الضجيج. علينا أن نُذكّر أنفسنا أن كينونتنا ليست مجرد امتلاك، بل عطاء؛ وليست مجرد بقاء، بل رسالة. فالمعنى يولد حين نربط وجودنا بخدمة الآخر، وبالالتزام الأخلاقي، وبالإيمان بأن للحياة هدفاً أسمى من مصالحنا الضيقة.
ويبقى السؤال الذي طرحه السيّاب مفتوحاً أمام كل واحد منا: إن فقد الإنسان معنى أن يكون، فكيف يكون؟ والجواب يكمن في أن نعود إلى جوهر إنسانيتنا، إلى رسالتنا السماوية، وإلى دورنا في صنع الخير وإحياء القيم. فحين يستعيد الإنسان معنى أن يكون، يستعيد ذاته، وتستعيد الحياة معناها، ويصبح الوجود رسالة حيّة لا مجرّد عبور عابر في زمنٍ سريع الزوال.



