منبر الكلمة

بين هجرة الريف والرحيل عن الوطن… الحقيقة الغائبة في تصريح وزير العمل

 

عدنان نصّار

صرّح وزير العمل الأردني خالد بكّار مؤخرًا بأن وزارته تعمل على “الحد من هجرة الشباب من الريف إلى المدينة”، وكأنّ المشكلة في حركة الشباب بين المحافظات، لا في ضياع ثقتهم بمستقبلهم داخل الوطن نفسه.
تصريح يبدو في ظاهره تنمويًا، لكنه في جوهره يعكس انفصالًا مؤلمًا بين الخطاب الرسمي وواقع الناس. فالشباب الأردني لم يعد يفكّر بالانتقال من قريته إلى عمّان فحسب، بل أصبح يبحث عن مخرجٍ من البلاد كلّها، بعدما ضاقت به الأرض بما رحبت.

إنّ الحديث عن “الحد من هجرة الريف إلى المدينة” يبدو وكأنه ترفٌ لغوي في زمنٍ يعيش فيه الأردني على حافة القلق، يتنقّل بين الإحباط والبطالة والغلاء.
الواقع أن المشكلة لم تعد هجرة داخلية، بل نزيفًا بشريًا إلى الخارج. آلاف الشباب، من مختلف المحافظات، لم يعودوا يرون في المدن الأردنية ملاذًا، بل محطة انتظار مؤقتة قبل السفر إلى الخليج أو أوروبا أو أي مكان آخر يتيح لهم عملاً يليق بكرامتهم.

وزير العمل، ومن قبله وزراء كثيرون، يتحدثون بلغة المكاتب المغلقةلا بلغة الشوارع وواقعيته المرة.
يتغافلون عن حقيقة أن الشاب الأردني لا يهاجر حبًا بالمجهول، بل هربًا من العجز الرسمي، من الوعود التي تتكرر منذ عقود دون أن تُترجم إلى فرص حقيقية.
ماذا فعلت الوزارة فعلًا لخلق بيئة عمل قادرة على إبقاء الناس في أماكنهم؟
كم مشروعًا إنتاجيًا دعمته في الأطراف؟
وأين نتائج برامج التدريب والتشغيل التي تُعلن عنها كل عام ثم تختفي دون أثر؟

الريف الأردني اليوم ليس بحاجة إلى شعارات “التمكين”، بل إلى مصانع صغيرة، ومزارع منتجة، وتمويل واقعي للشباب لا ورقيّ، وبيئة اقتصادية تحترم الجهد لا الواسطة.
أما المدن الكبرى، فقد شبعت من الخطب والخطط واللجان، لكنها لم تشبع من البطالة.

الوزير يريد أن يحد من هجرة الريف إلى المدينة، بينما الناس يريدون أن يحدّ أحد من هجرة العقل الأردني كله.
الشباب لا يهرب من الريف لأن المدينة مغرية، بل لأن الوطن أصبح طاردًا للكفاءات.
لا أحد يترك ترابه الأصلي حبًا في الغربة، ولكن حين تتحول الوعود إلى سراب، يصبح جواز السفر هو الحلم الأكثر واقعية.

إنّ ما تحتاجه وزارة العمل ليس مؤتمرات جديدة، بل مواجهة صريحة مع الذات.
عليها أن تعترف بأن سياساتها التشغيلية فشلت في وقف نزيف البطالة، وأنها ما زالت أسيرة للبيروقراطية والتعيينات الشكلية.
وزارة بلا رؤية اقتصادية واضحة، وبلا قدرة على ربط التعليم بسوق العمل، لا يمكنها أن تُبقي شابًا واحدًا في قريته أو مدينته.
بل إنها، بهذا الخطاب المنفصل عن الواقع، تشجّعهم – من حيث لا تدري – على الهجرة أكثر.

البلد لا يحتاج إلى من “يحد من الحركة”، بل إلى من يفتح الطريق للكرامة.
الشباب الأردني لا ينتظر وظيفة حكومية، بل ينتظر من يعيد إليه ثقته بأن العمل هنا يستحق أن يُبذل لأجله العمر.
ولعلّ أول خطوة على طريق الإصلاح أن يتوقف المسؤولون عن تزيين الواقع بالكلمات، وأن يجرؤوا على قول الحقيقة كاملة:
الشباب لا يهاجر من الريف إلى المدينة… بل من اليأس إلى الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى