QFEX 2026
تكنولوجيا

إعادة تعريف دور شركات الاتصالات في عصر الذكاء الاصطناعي

آفاق نيوز – عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، يذهب التفكير مباشرة إلى النماذج والتطبيقات والشركات الناشئة. نتحدث عن ChatGPT والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والرقائق. لكن هناك طبقة أقل ظهوراً وأكثر أهمية. إنها شبكة الاتصالات التي تحمل كل ذلك.

لهذا أعتقد أن أحد أهم التحولات التي يجب أن نراقبها في السنوات المقبلة هو تغير تعريف شركة الاتصالات نفسها.

شركة الاتصالات لم تعد مجرد شركة تبيع دقائق الاتصال وحزم الإنترنت. وهي في طريقها لأن تصبح جزءاً من البنية التحتية الوطنية للذكاء الاصطناعي.

ما حدث في الإمارات خلال أغسطس 2026 يقدم مثالاً واضحاً على هذا التحول.

جددت هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية في الإمارات “تدرا” رخصتي الاتصالات العامة لشركتي e& وdu لمدة عشرين عاماً، من 9 أغسطس 2026 وحتى 8 أغسطس 2046. قد يبدو الخبر للوهلة الأولى قراراً تنظيمياً يتعلق بتمديد رخصتي شركتين. لكن قراءة ما وراء القرار تكشف عن تصور مختلف لمستقبل قطاع الاتصالات.

من ريادة الاتصال إلى ريادة الذكاء
الهيئة نفسها وصفت المرحلة الجديدة بأنها انتقال “من ريادة الاتصال إلى ريادة الذكاء”.

هذه العبارة تستحق التوقف عندها.

فالهدف لم يعد أن تكون الشبكة أسرع فقط. المطلوب أن تصبح أكثر ذكاء وقدرة على إدارة نفسها ودعم اقتصاد يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتتوقع الهيئة انتقال القطاع تدريجياً من الشبكات المتصلة إلى شبكات ذكية ذاتية التشغيل يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً من ذكاء الشبكة نفسها.

هنا يتغير معنى البنية التحتية الرقمية.

في النموذج التقليدي كانت شبكة الاتصالات تنقل البيانات من نقطة إلى أخرى. وفي النموذج الجديد تصبح الشبكة نفسها منصة للحوسبة والذكاء والتحليل واتخاذ القرارات.

هذا التحول لم يبدأ من فراغ.

وصل انتشار الألياف الضوئية للمنازل في الإمارات إلى 99.7 في المئة، وحافظت الدولة وفق “تدرا” على المركز الأول عالمياً للعام العاشر على التوالي. وفي الوقت نفسه تستهدف استراتيجية الاقتصاد الرقمي مضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي من 9.7 في المئة عام 2022 إلى 19.4 في المئة خلال عشر سنوات.

وهنا تظهر العلاقة التي تغيب أحياناً عن نقاشنا العربي حول الذكاء الاصطناعي.

لا يوجد اقتصاد ذكاء اصطناعي من دون بنية تحتية رقمية قادرة على تشغيله.

يمكن للدولة أن تطلق استراتيجية للذكاء الاصطناعي. ويمكن للجامعات أن تدرّس الذكاء الاصطناعي. ويمكن للحكومات أن تمول الشركات الناشئة. لكن عندما تبدأ التطبيقات بالعمل على نطاق واسع ستحتاج إلى مراكز بيانات وحوسبة سحابية وشبكات ألياف ضوئية واتصالات دولية و5G ثم 6G وحوسبة طرفية Edge Computing وأمن سيبراني وقدرة عالية على استمرارية الخدمات.

الذكاء الاصطناعي في النهاية يحتاج إلى بنية مادية تعمل في الخلفية.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على شركات الاتصالات العربية لم يعد فقط كم تبلغ سرعة الإنترنت؟

السؤال الأهم أصبح ماذا يمكن أن نبني فوق هذه الشبكة؟

وهذا فرق كبير.

عندما تصبح السيارات ذاتية القيادة والمصانع الذكية والروبوتات والرعاية الصحية الرقمية والمدن الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من الاقتصاد، لن يكون تأخر الشبكة مجرد مشكلة في مشاهدة فيديو أو تحميل ملف. سيصبح مشكلة اقتصادية وتشغيلية وأمنية.

لذلك تكتسب المرونة Resilience معنى جديداً أيضاً.

فالشبكات التي تحمل اقتصاداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يجب ألا تعتمد على نقاط فشل منفردة. ويجب أن تملك مسارات بديلة واتصالاً دولياً آمناً وقدرات للتعافي من الكوارث واستمرارية للخدمات.

نحن هنا ننتقل من مفهوم “خدمة الاتصالات” إلى مفهوم “البنية التحتية للاقتصاد”.

الأردن وأسئلة مشروعة
وهذا يقودنا إلى الأردن.

تشير بيانات هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الأردنية للربع الأول من عام 2026 إلى وصول اشتراكات الجيل الخامس إلى نحو 433.4 ألف اشتراك، مقارنة بنحو 320.7 ألفاً في الربع الأخير من 2025. أي نمو بنسبة 35 في المئة خلال ربع واحد، وبنسبة 95 في المئة مقارنة بالربع الأول من 2025.

هذه أرقام تستحق الاهتمام.

لكن الرقم الآخر ربما يكون أكثر دلالة.

بلغ حجم استخدام بيانات الإنترنت الثابت عريض النطاق في الأردن نحو 1.7 مليار جيجابايت خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بنحو 1.4 مليار جيجابايت في الفترة نفسها من 2025، بنمو بلغ 21.4 في المئة. كما وصل متوسط الاستخدام الشهري إلى نحو 700 جيجابايت لكل اشتراك.

أي أن الطلب الرقمي يتوسع.

وهنا يجب أن يتغير السؤال الأردني أيضاً.

لا يكفي أن نسأل متى تصل تغطية 5G إلى هذه المدينة أو تلك المنطقة.

يجب أن نسأل ماذا سيعمل فوق 5G؟

كم شركة أردنية ستستخدم هذه الشبكة لبناء تطبيقات ذكاء اصطناعي؟

كم مصنعاً سيستخدمها للأتمتة وإنترنت الأشياء؟

كم مستشفى سيستخدمها لخدمات صحية رقمية؟

كم جامعة ستستخدم البنية التحتية لإنشاء مختبرات ذكاء اصطناعي وروبوتات وأنظمة تعليم ذكية؟

وكم شركة ناشئة ستستطيع بناء منتج عالمي من الأردن لأن البنية التحتية التي تحتاج إليها موجودة محلياً؟

هذه الأسئلة تنقل سياسة الاتصالات من قياس التغطية إلى قياس القيمة الاقتصادية التي تنتج فوق الشبكة.

وربما نحتاج إلى إعادة التفكير في مؤشرات نجاح قطاع الاتصالات نفسها.

عدد المشتركين مهم. سرعة الإنترنت مهمة. التغطية مهمة. والأسعار مهمة.

لكنها لم تعد كافية.

نحتاج أيضاً إلى قياس حجم الحوسبة التي تدعمها الشبكات، وانتشار الحوسبة الطرفية، وقدرة مراكز البيانات، واستخدام الخدمات السحابية، وعدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعمل فوق البنية الوطنية، وحجم الاقتصاد الذي يعتمد على الاتصال عالي السرعة، وقدرة الشبكات على الاستمرار أثناء الأزمات والهجمات السيبرانية.

عندها تصبح شركة الاتصالات شريكاً في السياسة الصناعية والتعليمية والاستثمارية وليس مجرد مقدم لخدمة الاتصال.

وهذا ربما يكون الدرس الأهم من التجربة الإماراتية.

الإمارات لا تنتظر اكتمال عصر الذكاء الاصطناعي ثم تسأل كيف تطور شبكة الاتصالات. إنها تعيد تعريف الشبكة نفسها استعداداً لذلك العصر. كما أن خارطة الطريق الإماراتية للجيل السادس تربط تطور الشبكات بالاقتصاد الجديد والتطبيقات الرقمية المستقبلية.

الأردن يمتلك فرصة مختلفة ولكنها مهمة
ليس مطلوباً أن يكرر النموذج الإماراتي بحجمه واستثماراته. المطلوب أن يحدد أين يستطيع بناء ميزة اقتصادية فوق البنية الرقمية التي تتوسع اليوم.

فكل محطة 5G جديدة يجب ألا ينظر إليها فقط باعتبارها توسعاً في التغطية. يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من منصة اقتصادية يمكن أن تحمل مصنعاً ذكياً أو شركة ناشئة أو تطبيقاً صحياً أو نظاماً تعليمياً أو خدمة حكومية أو مشروع ذكاء اصطناعي.

وهنا يتغير دور هيئة تنظيم الاتصالات أيضاً.

التنظيم في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتعلق فقط بالطيف الترددي والتراخيص وجودة الخدمة والمنافسة والأسعار. سيصبح جزءاً من سياسة وطنية أوسع تشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء والروبوتات والسيادة الرقمية.

وقد نحتاج مستقبلاً إلى التوقف عن استخدام عبارة “قطاع الاتصالات” بالمعنى الذي عرفناه خلال العقود الماضية.

نحن نتحدث عن طبقة تشغيل للاقتصاد الرقمي كله.

السؤال لم يعد كم جيجابايت نستهلك.

السؤال هو ماذا ننتج بهذه الجيجابايت؟

ولم يعد نجاح شبكة الجيل الخامس يقاس فقط بعدد المشتركين فيها.

نجاحها الحقيقي سيقاس بعدد الشركات والخدمات والوظائف والابتكارات التي نشأت فوقها.

عندها فقط نكون قد انتقلنا فعلاً من شركة اتصالات إلى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي.

زر الذهاب إلى الأعلى