QFEX 2026
اخر الاخبارعربي و دولي

إسرائيل تنفق ملايين الدولارات لتحسين صورتها في امريكا

آفاق الإخبارية
كشف تحقيقآ موسعآ في جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية عن واحدة من أكبر حملات التأثير الأجنبية التي تستهدف الرأي العام الأمريكي في السنوات الأخيرة،
وأكدت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية أطلقت برنامجًا واسع النطاق لتحسين صورتها داخل الولايات المتحدة بعد التراجع الحاد في مستوى التأييد الشعبي لها بسبب الحربين في غزة وإيران.
ويستند التحقيق إلى عقود رسمية ووثائق تسجيل وكلاء أجانب ومقابلات مع مسؤولين وخبراء
ويذكر أن 60% من الأمريكيين أصبحوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل وفق استطلاع لمركز بيو، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى تخصيص ميزانية تتجاوز 700 مليون دولار في عام 2026 لما وصفه وزير الخارجية جدعون ساعر بجهود “تشكيل الوعي” وتحسين صورة إسرائيل عالميًا.

ويؤكد التحقيق أن العمود الفقري لهذه الحملة يتمثل في عقد تزيد قيمته على 45 مليون دولار وقعته الحكومة الإسرائيلية مع براد بارسكيل، المدير السابق للحملة الرقمية للرئيس دونالد ترامب. ويصف التقرير هذا العقد بأنه من أكبر العقود التي أبرمتها حكومة أجنبية مع مستشار سياسي أمريكي، ويتضمن إدارة حملات رقمية وإعلامية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل الرأي العام الأمريكي، إلى جانب إنشاء منصات ومواقع إلكترونية وإدارة حملات تواصل واسعة النطاق.
وكشفت الصحيفة أن أحد أبرز عناصر المشروع يتمثل في إرسال ملايين الرسائل النصية إلى الأمريكيين باستخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث تبدو وكأنها صادرة عن أشخاص حقيقيين يحملون أسماء مثل “إيما” أو “سارة” أو “جون”، ويتحدثون باسم مجموعة تسمى Friends for Peace. وتبدأ الرسائل بأسئلة عامة مثل: “كيف تعتقد أن محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ستؤثر في الأمن العالمي؟” قبل أن تتحول تدريجيًا إلى الدفاع عن السياسات الإسرائيلية واستطلاع آراء المتلقين بشأنها. وتشير الصحيفة إلى أن هذه المجموعة لا تبدو مسجلة كمنظمة غير ربحية أو شركة، ولا تمتلك موقعًا إلكترونيًا معروفًا، وعندما سُئل بارسكيل عما إذا كانت منظمة حقيقية، أجاب بسؤال ساخر: “وما تعريفك للمنظمة الحقيقية؟”
ويوضح التحقيق أن تشغيل هذه الرسائل يتم عبر شركة Sparkfire، التي حصلت حتى منتصف مايو فقط على 6.5 مليون دولار لتنفيذ هذه المهمة. وتقول الشركة إن الذكاء الاصطناعي يدير المحادثات، لكن مع مشاركة موظفين حقيقيين في بعض مراحل التفاعل مع المتلقين، في محاولة لجعل الحوار يبدو أكثر إقناعًا وطبيعية.
ولا تقتصر الحملة على الرسائل النصية، بل تمتد إلى الإعلام الأمريكي المحافظ. فقد أظهرت وثائق العقد أن جزءًا من مهمة بارسكيل كان “دمج الرسائل السردية الخاصة بإسرائيل داخل منصات Salem Media وشبكاتها الإعلامية”، وهي إحدى أكبر الشبكات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة وتضم شخصيات معروفة مثل هيو هيويت وسكوت جينينغز ولارا ترامب. وأكدت الشبكة أنها لم تدفع لمقدمي البرامج مقابل تبني مواقف مؤيدة لإسرائيل، لكنها أقرت بالحصول على أكثر من 500 ألف دولار مقابل إعلانات ممولة على شبكتها. وأثار هذا الأمر انتقادات من شخصيات محافظة، أبرزها ستيف بانون الذي تساءل: “كيف تُدار ثاني أكبر شبكة إذاعية محافظة بواسطة وكيل أجنبي مسجل؟”
كما يوضح التحقيق أن إسرائيل استعانت خلال العام الماضي بما لا يقل عن ست شركات مختلفة لتنفيذ حملات التأثير داخل الولايات المتحدة، بينما سجل 36 شخصًا جديدًا أنفسهم رسميًا كوكلاء أجانب يعملون لصالح إسرائيل، معظمهم متخصصون في التسويق والعلاقات العامة، الأمر الذي يجعل إسرائيل، بحسب خبراء جماعات الضغط، الدولة الأكثر إنفاقًا على أنشطة التأثير السياسي المعلنة لدى الحكومة الأمريكية خلال عام 2026.
ويشير التقرير إلى أن الحملة استهدفت أيضًا المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد تعاقدت الحكومة الإسرائيلية مع شركات تدير شخصيات مؤثرة، ومن بينها شركة يملكها يوآف ديفيس، صاحب حساب @Jews_of_NY الذي يتابعه نحو 193 ألف شخص على إنستغرام، والذي شارك في إدارة حملات للمؤثرين والترويج لروايات مؤيدة لإسرائيل. كما كشفت الوثائق عن خطط لاستقطاب مشاهير مثل الممثل كريس برات ولاعب كرة السلة ستيفن كاري ليكونوا وجوهًا إعلامية للحملة، إلا أن ممثل برات نفى أن يكون قد تلقى أي اتصال بهذا الشأن.
وتوضح الصحيفة أن إحدى الحملات ركزت على الأوساط المسيحية الإنجيلية، حيث أعدت منظمة تحمل اسم Show Faith by Works مشروعًا تزيد ميزانيته على 3 ملايين دولار لاستهداف نحو 4 ملايين شخص من رواد الكنائس الإنجيلية وطلاب الجامعات المسيحية باستخدام تقنية Geofencing التي تسمح بتوجيه الإعلانات والرسائل إلى الأشخاص الموجودين داخل نطاقات جغرافية محددة. وتنص الوثائق على أن الهدف هو “تعزيز الارتباط الإيجابي بإسرائيل مع ربط الفلسطينيين بالفصائل المتطرفة.”
ومن أكثر ما أثار الاهتمام في التحقيق تأكيده أن المشروع لا يقتصر على التأثير في البشر، بل يمتد إلى محاولة التأثير في نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها. فقد أنشأ فريق بارسكيل مواقع إلكترونية ومحتوى رقميًا وروابط مصممة بحيث تظهر كمراجع موثوقة عندما يجيب ChatGPT أو Claude عن الأسئلة المتعلقة بإسرائيل. ويذكر التقرير أن أحد هذه المواقع هو Allyvia.org، الذي أنشئ خصيصًا لدعم الرواية الإسرائيلية وزيادة احتمالات ظهوره ضمن المصادر التي تستند إليها نماذج الذكاء الاصطناعي عند توليد الإجابات. كما أوضح بارسكيل أن أحد أهداف المشروع هو معرفة أبرز المخاوف التي يحملها الأمريكيون تجاه إسرائيل، ثم إنتاج محتوى يرد على تلك المخاوف وإرسال نتائج هذه التحليلات بصورة دورية إلى الحكومة الإسرائيلية.
ويبرز التحقيق أيضًا البعد السياسي الداخلي للحملة، إذ ينقل عن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس اتهامه لمسؤولين إسرائيليين بمحاولة “التلاعب بالرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى.” كما ينقل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله إن تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل “يرتبط تقريبًا بنسبة 100% بالنمو الهندسي لوسائل التواصل الاجتماعي”، في إشارة إلى أن الحكومة الإسرائيلية باتت تنظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره ساحة المعركة الأساسية لكسب الرأي العام الأمريكي.
ويختتم التحقيق بالإشارة إلى أن جميع هذه الجهود تعكس حجم القلق الإسرائيلي من التراجع غير المسبوق في شعبيتها داخل الولايات المتحدة، وأن ضخ مئات الملايين من الدولارات في حملات التأثير والذكاء الاصطناعي والإعلام والمؤثرين يعكس إدراكًا رسميًا بأن الرأي العام الأمريكي يشهد تحولًا عميقًا، وهو ما دفع ستيف بانون إلى تلخيص المشهد بقوله: “إنهم يحاولون بيع شيء غير قابل للبيع.”

زر الذهاب إلى الأعلى