منبر الكلمة

أزمة التجارة في إربد.. أسباب الإغلاق وأسئلة الحل

 

عدنان نصّار

في شوارع إربد، لا تحتاج كثيرًا من الوقت لتكتشف أن المشهد التجاري لم يعد كما كان. واجهات محالّ مغلقة، وأخرى كُتب عليها “للبيع” أو “للإيجار” بخطّ عريض، كأنها إعلان صريح عن مرحلة اقتصادية جديدة لا تُخفي قسوتها. مدينة كانت تُعرف بأنها قلبٌ تجاري نابض في شمال الأردن، باتت اليوم تواجه سؤالًا ثقيلًا: لماذا يخرج التجار من السوق واحدًا تلو الآخر؟
الأزمة ليست طارئة، بل هي تراكم طويل من الضغوط. ارتفاع الإيجارات في بعض المواقع الحيوية دفع كثيرًا من أصحاب المحال إلى إعادة التفكير بجدوى الاستمرار. التاجر الذي كان يحسب أرباحه على هامش بسيط، بات اليوم يجد نفسه أمام كلفة تشغيلية تتجاوز قدرته على التحمّل، في ظل تراجع واضح في القوة الشرائية للمواطن.
لكن الإيجار وحده لا يفسر المشهد. هناك عامل آخر أكثر عمقًا: تغيّر نمط الاستهلاك. الأسواق التقليدية في إربد لم تعد وحدها في الساحة، فقد دخلت التجارة الإلكترونية، والمراكز التجارية الكبرى، لتعيد توزيع الزبائن بطريقة مختلفة تمامًا. الزبون الذي كان يزور السوق يوميًا، بات اليوم يختار الشراء بضغطة زر أو في مجمع تجاري أكثر تنظيمًا.
ولا يمكن تجاهل أثر الوضع الاقتصادي العام. ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخل، وتزايد الالتزامات المعيشية على الأسر، كلها عوامل انعكست مباشرة على الأسواق. فالمواطن الذي كان يتسوّق بحرية نسبية، أصبح اليوم يشتري “بالحد الأدنى”، ما انعكس على حركة البيع اليومية.
وسط هذا المشهد، تتسع دائرة الأسئلة أكثر مما تتقدم الإجابات: هل المشكلة في السوق نفسه أم في البيئة الاقتصادية المحيطة به؟ هل يحتاج التجار إلى دعم حكومي مباشر، أم إلى إعادة هيكلة فكرهم التجاري؟ وهل يمكن إعادة إحياء قلب إربد التجاري، أم أن التحول نحو أنماط جديدة من التجارة أصبح قدرًا لا رجعة فيه؟
ما يحدث في إربد ليس مجرد إغلاق محال، بل هو مؤشر على تحوّل اقتصادي واجتماعي أعمق. مدينة تتغير، وسوق يعيد تشكيل نفسه، وتجار يقفون في منطقة رمادية بين الماضي الذي يتراجع، والمستقبل الذي لم تتضح ملامحه بعد.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: الأسواق لا تموت فجأة، لكنها تضعف بصمت… حتى يصبح الإغلاق هو الخبر الأكثر حضورًا في الشارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى