الإصلاح بين الاستدامة والمساءلة

بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
الأمين العام لحزب القدوة الأردني
في كل مرة يُفتح فيها ملف الضمان الاجتماعي، يتضح أن النقاش لا يقتصر على أرقام مجردة أو معادلات اكتوارية صامتة، بل يمتد إلى مصائر أُسر بأكملها وكرامة المتقاعدين ومستقبل أجيال دفعت من دخلها المحدود على أمل الأمان عند الكِبر. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة مالية، بل هو عقد اجتماعي راسخ وأحد أعمدة الاستقرار الوطني الاقتصادي والاجتماعي.
تابعنا ما أعلنه مجلس الوزراء بشأن الموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدّل لقانون المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لسنة 2026. ومن حيث المبدأ، فإن الحفاظ على استدامة المنظومة واجب وطني لا يختلف عليه اثنان، لكن السؤال الجوهري لا يكمن في مجرد: هل نُصلح؟ بل في كيف نُصلح ومن يتحمّل مسؤولية أي اختلالات موجودة أو محتملة.
إن رفع عدد الاشتراكات المطلوبة وتشديد شروط التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد تدريجيًا ليست قرارات تقنية معزولة، بل خيارات تمس حياة مئات الآلاف من الأردنيين. ولا يجوز تمريرها تحت عنوان “الاستدامة” دون مصارحة كاملة بالأرقام والحقائق ودون تحديد واضح لمسؤوليات الإدارة والسياسات السابقة التي أوصلت الصندوق إلى هذه المرحلة. من حق المواطنين أن يعرفوا المركز المالي الحقيقي للصندوق اليوم بالتفصيل، نتائج آخر دراسة اكتوارية معتمدة وما إذا كانت متاحة للرأي العام، حجم الاستثمارات داخليًا وخارجيًا ومعدل العوائد الفعلية خلال السنوات الماضية، وما إذا كانت هناك التزامات مالية مترتبة على الحكومة تجاه الصندوق وكيف سيتم سدادها إن وجدت.
فالاستدامة لا تتحقق بتحميل المشتركين وحدهم كلفة المعالجة، بل تبدأ بمراجعة السياسات الاستثمارية وتعزيز الحوكمة وضمان استقلالية فعلية لإدارة أموال الضمان، استقلالية تُترجم إلى نصوص واضحة وضمانات قانونية مانعة لأي تدخل مباشر أو غير مباشر وتضع حدودًا لأي تجاوزات مالية مستقبلية. إن حقوق المتقاعدين والمشتركين حقوق مكتسبة ومحمية، ولا يجوز المساس بها أو التعامل معها كورقة تشريعية قابلة للتفاوض. وأي إصلاح حقيقي ينبغي أن يسبقه حوار وطني شفاف تشارك فيه القوى السياسية والنقابات والخبراء الاقتصاديون، حتى يكون الإصلاح ثمرة توافق وطني لا قرارًا مفروضًا من جهة واحدة.
ويجب التأكيد أن الضمان الاجتماعي ليس صندوقًا للربح بل ركيزة أمان وطني، وأي اهتزاز في الثقة به ينعكس مباشرة على ثقة المواطن بمؤسسات الدولة كافة. والسؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: إذا كانت هناك اختلالات مالية أو اكتوارية، من يتحمّل المسؤولية؟ هل المواطن الذي دفع من رزقه شهريًا أم السياسات الإدارية والاستثمارية التي أدارت أموال الصندوق؟ وهل ستكون المعالجة عبر المحاسبة الفعلية لكل مقصر أم عبر تحميل المواطن وحده الأعباء؟
إن تحميل المواطن وحده كلفة أي خلل أو قصور أمر مرفوض، والإصلاح الحقيقي يبدأ بالمصارحة والمساءلة وتحديد المسؤوليات بوضوح، لا بإعادة توزيع الأعباء على المواطنين وحدهم. لذلك، يؤكد حزب القدوة الأردني على ضرورة نشر المركز المالي التفصيلي للصندوق دون تجميل أو اجتزاء، وإعلان نتائج آخر دراسة اكتوارية للرأي العام، وكشف حجم الاستثمارات وعوائدها الفعلية، وتوضيح التزامات الحكومة تجاه الصندوق وآلية سدادها.
كما يشدد الحزب على أن أي تقصير أو سوء إدارة يجب أن يخضع لمساءلة واضحة وصارمة، وأن حماية أموال الضمان واجب وطني جامع. وأي تعديل تشريعي لن يحظى بالثقة الشعبية ما لم يسبقه إفصاح كامل وضمانات مكتوبة ورقابة مستقلة حقيقية تحمي أموال الأردنيين اليوم وغدًا. المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل نصوص، بل ترميم الثقة المتأكلة، والثقة لا تُبنى إلا بالشفافية والعدالة وتحمل المسؤولية، وبأن يكون الإصلاح ثمرة حوار ومساءلة وليس قرارًا مفروضًا على المواطنين.



