نبض إربد على فيسبوك: “لا تُغادروا الرجل الذي أحبّته الناس”

افاق /محرر الشؤون المحلية
في العادة، تمرّ قرارات الإحالة إلى التقاعد في الإدارة العامة بهدوء، تُقرأ كخبر عادي، ثم تُطوى الصفحة.
لكن ما يجري اليوم في محافظة إربد يخرج عن هذا السياق التقليدي، ويضع الحكومة أمام حالة مختلفة تستحق التوقف والتأمل.
فمع تداول خبر انتهاء خدمة محافظ إربد نهاية هذا الشهر، لم يكن التفاعل الشعبي عابرًا، بل تحوّل إلى حالة رأي عام واضحة المعالم، عبّرت عنها صفحات ومجموعات فيسبوك محلية، ومنشورات فردية، وتعليقات متتابعة، جميعها تكاد تقول الشيء نفسه بصيغ مختلفة: نريد بقاء هذا المحافظ، ولو لعام واحد إضافي.
ما يلفت الانتباه هنا ليس فقط حجم التفاعل، بل طبيعته. فاللغة المستخدمة لم تكن لغة مجاملة أو انفعال عاطفي مؤقت، بل أقرب إلى شهادة جماعية على تجربة إدارية عاشها الناس ولامسوها في تفاصيل حياتهم اليومية.
إربد، بوصفها محافظة كبيرة تضم عشرة ألوية، ذات كثافة سكانية عالية وتشابك خدمي وأمني معقّد، ليست ساحة سهلة لأي مسؤول. ومع ذلك، فإن المزاج العام الذي ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس شعورًا بأن المرحلة الماضية اتسمت بدرجة من الاستقرار الإداري، والحضور الميداني، والقدرة على إدارة التوازنات، وهو أمر لا يمرّ عادة دون أن يترك أثره في الوعي الشعبي.
الناس لم تتحدث عن قرارات كبرى أو مشاريع ضخمة بقدر ما تحدثت عن أسلوب إدارة، عن محافظ كان بابه مفتوحًا، حاضرًا بين الناس، يستمع قبل أن يقرّر، ويُدرك أن هيبة الدولة لا تُبنى بالمسافات، بل بالثقة.
هذا النوع من الخطاب، حين يتكرر على ألسنة مواطنين من خلفيات ومناطق مختلفة، لا يمكن تجاهله باعتباره رأيًا فرديًا أو حالة عابرة.
هنا تتحول القضية من مجرد إجراء إداري مشروع إلى سؤال سياسي–إداري أوسع: كيف تتعامل الحكومة مع النماذج التي يلتف الناس حولها؟ وهل من الحكمة أن يُعامل النجاح الإداري بالآلية ذاتها التي يُعامل بها الأداء العادي؟
لا أحد يشكك في صلاحيات الدولة ولا في القواعد التنظيمية، لكن الإدارة الرشيدة هي التي تترك دائمًا هامشًا للتقدير حين تفرض المصلحة العامة ذلك.
دولة الرئيس،
ما يصل اليوم من إربد ليس اعتراضًا على القرار، بل رسالة هادئة في مضمونها، عميقة في دلالتها، رسالة تقول إن الاستمرارية في بعض المواقع ليست ترفًا، بل عنصر استقرار، وإن نقل المسؤول الناجح أو إحالته الى التقاعد قد يخلق فراغًا إداريًا في محافظة لا تحتمل التجربة ولا المجازفة في هذه المرحلة تحديدا .
إن الحكومات التي تسعى إلى ترميم الثقة بينها وبين الناس لا تكتفي بتغيير الأسماء، بل تُحسن قراءة السياق، وتفرّق بين موقع يحتاج إلى ضخ دماء جديدة، وموقع آخر أثبت فيه المسؤول قدرته على القيادة والإدارة بكفاءة، والإنصات لصوت الناس، حين يكون واضحًا وغير فوضوي، لا يُضعف الدولة، بل يعزّز صورتها بوصفها دولة تسمع وتقدّر.
ربما يكون التمديد المحدود خيارًا، وربما يكون الانتقال المدروس خيارًا آخر، لكن الأسوأ هو التعامل مع هذه الحالة وكأن شيئًا لم يحدث، فإربد اليوم لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن استثناء دائم، بل تعبّر عن أمنية بسيطة: ألا تُفقد المحافظة مسؤولًا أثبت حضوره وقدرته وكفأته وادارته.
في النهاية، هذه ليست شهادة كاتب، ولا موقف جهة، بل خلاصة مزاج عام تشكّل على الملأ.
والمزاج العام، حين يتحدث بهذه اللغة، يستحق أن يُسمع.



