QFEX 2026
منبر الكلمة

أمام هيئة النزاهة ومكافحة الفساد… هل آن الأوان لفتح ملف لجنة تسعير المحروقات؟

 

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

في كل شهر، تتكرر القصة ذاتها، تنخفض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتتناقل وكالات الأنباء والمؤشرات الاقتصادية أرقاماً تؤكد هذا الانخفاض، ثم ننتظر قرار لجنة تسعير المحروقات على أمل أن ينعكس ذلك على أسعار الوقود محلياً، لكن النتيجة في كثير من الأحيان لا تكون بحجم توقعات المواطنين، فتبدأ موجة جديدة من التساؤلات، ويعود الجدل ليتصدر مواقع التواصل الاجتماعي.

القضية لم تعد تتعلق بزيادة أو تخفيض بضعة قروش، بل أصبحت مرتبطة بثقة المواطن بآلية التسعير نفسها، فالسؤال الذي يتكرر مع بداية كل شهر هو: كيف تُحتسب الأسعار؟ وما هي المعايير التي تعتمدها اللجنة؟ ولماذا لا يستطيع المواطن فهم العلاقة بين الأسعار العالمية والسعر الذي يدفعه بسهولة؟

وعندما يتحول ملف يمس جميع المواطنين إلى موضوع جدل دائم، فإن المطالبة بمزيد من الشفافية تصبح أمراً طبيعياً، بل ضرورة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

ومن هنا، فإن أي مراجعة مستقلة لآلية تسعير المحروقات من قبل الجهات الرقابية المختصة، وفي إطار الصلاحيات التي يمنحها القانون، لا ينبغي أن تُفهم على أنها تشكيك أو اتهام لأحد لا سمح الله، وإنما باعتبارها ممارسة مؤسسية تهدف إلى التحقق من سلامة الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتوضيح الأسس التي تُبنى عليها القرارات ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.

فإذا كانت آلية التسعير عادلة ودقيقة وتُطبق وفق معايير واضحة، فإن مراجعتها وشرحها للرأي العام سيعززان ثقة المواطنين، وسيضعان حداً لكثير من الشائعات والتفسيرات المتضاربة التي تتكرر كل شهر. أما إذا كانت هناك جوانب تحتاج إلى تطوير أو مزيد من الوضوح، فإن معالجتها ستصب في مصلحة الجميع.

الأردنيون يدركون أن أسعار المحروقات لا تعتمد فقط على سعر النفط الخام، وأن هناك ضرائب ورسوم وكلف نقل وتخزين وتشغيل تؤثر في السعر النهائي، لكن ما يطالب به المواطن ليس إلغاء هذه العناصر، بل معرفة وزن كل منها، وكيف تُحتسب، ولماذا تكون النتيجة النهائية على هذا النحو.

وفي هذا السياق، وإذا كانت المملكة تستورد جزءاً من احتياجاتها النفطية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر وصولاً إلى ميناء العقبة، بما قد يختصر زمن الرحلة ويؤثر في بعض كلف النقل، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما إذا كانت هذه المتغيرات تؤخذ بالحسبان ضمن معادلة التسعير، وكيف ينعكس ذلك، إن وجد، على السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.

إن نشر آلية التسعير بلغة مبسطة، وإصدار تقرير شهري يوضح أثر كل متغير عالمي ومحلي على السعر النهائي، سيكون خطوة مهمة نحو ترسيخ الشفافية، وسيمنح المواطن القدرة على فهم القرار بدلاً من الاكتفاء بتنفيذه دون فهم.

فالدول التي تعزز ثقة مواطنيها لا تكتفي بإعلان القرارات، بل تشرحها وتكشف الأسس التي قامت عليها، وكلما كانت المعلومات أوضح، ينتهي الجدل، وترتفع الثقة بالمؤسسات.

إن المطلوب اليوم ليس أكثر من الوضوح، لأن الشفافية ليست امتيازاً تمنحه المؤسسات للمواطن، بل هي حق أصيل له، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف يمس حياة كل أسرة أردنية بصورة مباشرة.

زر الذهاب إلى الأعلى