مقارنات .. وإختلالات .. في التجربة الحزبية

 

عوض ضيف الله الملاحمه

بعد مرور ما يقارب ال ( ٣٣ ) عاماً على السماح للأردنيين بتأسيس الأحزاب ، أرى انه من الضروري عمل وقفة تقييمية ، جادة ، وعقلانية ، ومنصفة لتقويم ، وتصويب المسار ، والتأشير على الإختلالات ، وإبراز الإيجابيات لتعظيمها .

كوني كنت حزبياً قبل ( ٥٨ ) عاماً .ولأنني أعتبر نفسي متابعاً جيداً للحياة السياسية والحزبية في الأردن ، منذ ستينات القرن الماضي ، وخاصة بعد ما إصطُلح على تسميته عودة الحياة الديمقراطية . يضاف الى ذلك كتاباتي في الشأن العام ، أرى انه يمكنني من قول كلمة حق جريئة بعيدة عن الشخصنة ، لأن همي الوحيد يتمحور حول مصلحة وطني الحبيب .

ولإتاحة فرصة للمقارنة ، إسمحوا لي في مقدمة تكون بدايتها طرح سؤال كبير وهامٌ جداً :— لماذا كان الشباب يتهافتون على الإنتساب للأحزاب القومية والشيوعية تحديداً ، رغم مخاطر الإنتساب اليها ، ورغم أنها مليئة بالمغارم ، وخالية من المغنائم ، بينما يعزفون عن الإنتساب الى الأحزاب الحالية رغم كثرة الإغراءات !؟ لم أذكر الأحزاب الدينية التي أُكِنُّ لها كل الإحترام ، لأنها كانت مُرخصة من قِبل النظام .

وهنا سوف أُجيب على هذا السؤال ولو جزئياً . أرى ان السبب ، لأن أحزاب الخمسينات ، والستينات ، والسبعينات كانت تحمل هموماً وطنية ، وقومية ، وحتى أُممية . ثم لأنها كانت أحزاباً جادة ، تصقل الشخصية ، لديها فكر ، وإنضباط ، وبعيدة كلياً عن الفردية ، ليس مثل أحزابنا المُعلبة الحالية ، التي يمكنني من خلال آليات تأسيسها أن أُسمي لكم أسماء الأشخاص ( حرام ان يطلق على أغلبهم شخصيات ) لأنهم أسسوا الأحزاب لمنافع ذاتية ، لإعادة إنتاج أنفسهم في المناصب العليا في المرحلة القادمة .ثم لابد من الإشارة الى ان النهج العدائي ، والضدّي للأحزاب ما زال موجوداً في مُخيخ الجهات ذات العلاقة .

كان الحزبيون خاصة القوميون ، والشيوعيون مطاردون الا ان اعداداً كبيرة من الأردنيين غامروا وإنتسبوا لتلك الأحزاب . لأن لديها فكر ، ولديها إنضباط ، وكانت تستحق المغامرة . لأنك بالإنتساب اليها تخرج من أنانيتك ، ومن جِلدك ، ومن إنتماءك الأصغر الى إنتماءات كُبرى عظيمة .

وللعلم ، أنا لا أتفق مع من يقول أن تلك الأحزاب قد فشلت . الحقيقة أنها أُفشِلت . لأن كل دهاء دول العالم الكبرى ، والأنظمة العميلة التابعة لها عملت بإخلاص للإجهاز عليها . ليقابل ذلك إنتشار الرأسمالية البغيضة ، المتوحشة ، اللاإنسانية والتي هي فشلت لأن بذور فنائها تكمن في جشعها ، وفرديتها المقيتة اللاإنسانية . فإنقسام حزب البعث العرب الإشتراكي مثلاً ، وتنافر جناحية لم يأت لأسباب تنظيمية او فكرية بل بإستهداف خبيث من الإستعمار وأعوانه . وكذلك الشيوعية التي ترصّد لها الغرب بِكُلِّيته ليدمرها من داخلها عبر عملاء تمت زراعتهم في أحشاء الحزب . لكن يجب ان لا يغيب عن البال أنه كانت هناك أخطاءاً في المسيرة ، لأن إرتكاب الأخطاء سمة إنسانية فطرية .

وهناك نماذج مضيئة على نزاهة وإستقامة بعض قادتها ، فمثلاً : كيف كانت مسيرة الزعيم / جمال عبدالناصر ، وصفاته الفردية ، ونزاهته ، حيث كانت مدخراته عند وفاته (٢٨٠٠ ) جنيه مصري . وكيف كانت مسيرة المهيب / احمد حسن البكر ؟ حيث ان إبنه الأكبر / هيثم كان يود دراسة الطب في جامعة بغداد ، ولأن معدله قلّ عن ال ( ٩٠ ٪؜) بكسور ، أعاد الثانوية ، ودخل كلية الطب بعد حصوله على معدل يزيد عن ال ( ٩٠ ٪؜) . ثم كيف كانت مسيرة الشهيد الحي / صدام حسين ؟ حيث لم يجدوا لديه أية أموال ، وها هي عائلته الكريمة بإستضافة كرماء عرب . ووجدوا حوالي ( ٦٠ ) عقاراً كلها كانت مسجلة بإسم رئاسة الجمهورية . وأبلغ دليل ما قاله الشهيد / صدام وهو أمام المقصلة حيث نطق بالشهادتين ، وحيّا العروبة وفلسطين ، بثبات متفرد لم تشهده الإنسانية منذ بدء الخليقة . ولو لم يكن معتقده العروبي صارماً وحازماً لإستجاب لعرض الشيخ زايد العروبي الأصيل ، والعرض الروسي . او لإستجاب لعرض وزير الدفاع الأمريكي الذي سلمه شيكاً على بياض ليكتب الرقم الذي يريده بالمليارات والمطلوب منه جملة واحدة فقط ، تدعو لوقف نضال العراقيين ضد المحتل الامريكي .

وللدقة والمصداقية ، إن الجهات الرسمية المسؤولة عن الأحزاب ، هي التي تضع العصا في دواليبها . وأبلغ دليل ما حصل مؤخراً ، عندما تم الطلب من الأحزاب إعادة تصويب أوضاعها القانونية . فمثلاً : لماذا يُطلب من المنتسب للحزب الحصول على حسن سلوك !؟ لماذا لم يتم إعتبار الإنتساب للأحزاب مثل الإنتساب للجمعيات ذات النفع العام ؟ والحزب الجيد يراقب تصرفات أعضائه ويُخضِع المخالف لعقوبات صارمة . الحزبية هي هبّة او حالة نهوض شعبي جماهيري ، تغلي بمطالب وطنية وقومية واجبة التحقق بالنضال ، عندها تُنتج الأحزاب .

إستعصاء نجاح التجربة الحزبية الأردنية يعود الى أسباب ، أولها :— عدم وجود النية للدولة الأردنية للسماح بتأسيس أحزاب جدية ، جادة ، ذات برامج . وثانيها : — الهدف هو إنشاء أحزاب شكلية فارغة ليست ذات نهج . وذلك لغايات إرسال رسالة لدول الغرب بأن لدينا أحزاب . وثالثها :— وضع قوانين تعمتد على المُحددات والتقييد الشديد ، فبذور فناء الأحزاب تكمن في قانونها . ورابعاً :— أن الهدف المُستتر لتشكيل الأحزاب هو أن الدولة تود إعادة إنتاج رجالاتها تحت يافطات حزبية .

وللتدليل أرى أنه من الجدير التطرق الى مرحلة التصويب التي مرت بها الأحزاب الأردنية ، والتي أرى أنها إتصفت بمرحلة شديدة القسوة على الأحزاب ، وبدل ان تكون الجهات المشرفة على الأحزاب عوناً لها كانت عبئاً عليها . حيث من السهل إكتشاف ان هناك نوايا مسبقة لإخراج بعض الأحزاب وإفقادها شرعية وجودها . وتمثل ذلك في إستهداف حزب الشراكة والانقاذ مثلاً ، وإختلاق العقبات أمام فرصة تصويب أوضاعه . ويتبدى لي أن قيادة الحزب كانت مرتبكة ، حيث أنهم عجزوا عن تفويت فرصة إستهدافهم . وأرى أن السبب تمثل بفقد الحزب للفقيه الدستوري صديقي معالي المرحوم الدكتور / محمد الحموري ، فإهتز الحزب بفقده . بينما نرى الثبات ، والصرامة ، والدقة ، والمُجاهدة لدى قيادة حزب البعث العربي الإشتراكي الأردني ، فلم تترك لا شاردة ، ولا واردة ، ولم تعطِ أية فرصة للهيئة للتحجج ، والتسويف ، والمماطلة ، فنجح الحزب نجاحاً باهراً في تحقيق التصويب لأوضاعه بطريقة أذهلت المتابعين داخل الأردن وخارجه . حتى أنهم فوتوا الفرصة على المتربصين في العراق ، الذين إستخدموا كل وسائل الضغط حتى وصل درجة التهديد بالتأثير على مصالح الأردن الإقتصادية في علاقاته مع العراق ، حتى ان الأردن الرسمي أصبح ( مثل بالع الموس ) ، ولم ينبس الأردن الرسمي ببنت شفه ، بينما تصدى الأحرار لهذا التدخل السافر في شأننا الداخلي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى