افاق الاخبارية

اليمين الإسرائيلي : لماذا الهيمنة على المشهد السياسي؟

د. أحمد بطّاح

إنّ المتابع للشأن الإسرائيلي وبالذات بعد الانتخابات الأخيرة يلاحظ بوضوح أنّ الرأي العام الإسرائيلي ما زال يتجه نحو اليمين، وإلى درجة أن بنيامين نتنياهو الذي يحكم مُنذُ اثنتي عشرة سنة برغم قضايا الفساد المسجلة ضده في المحاكم، يتصدر نتائج الانتخابات حيث فاز حزبُه اليميني وهو “الليكود” بأكثر من (30) مقعداً، وإذا أضفنا إليها مقاعد الأحزاب اليمينية الأخرى فإنها تصل إلى (59) مقعداً. صحيح أن نتنياهو قد لا يستطيع تشكيل حكومة يمينية وحده (الليكود + الأحزاب اليمينية الأخرى)، ولكن الحقيقة تظل ماثلة وهي أن اليمين ما زال يسيطر على الشارع الإسرائيلي مع تقزم الأحزاب اليسارية مثل “ميرتس” وحزب العمل وحزب أزرق – أبيض مع ملاحظة أنّ هذه الأحزاب هي ضد نتنياهو ولكنها (بإستثناء ميرتس) ليست أقل يمينيةً وعداءً للعرب من تكتل نتنياهو، أما الأحزاب العربية فقد انقسمت إلى القائمة العربية المشتركة والقائمة العربية الموحدة ولا يُنتظر أن يكون لأي منهما (وبخاصة القائمة المشتركة التي تكافح من أجل الهوية الوطنية الفلسطينية) أيّ دور حقيقي في توجيه السياسات الإسرائيلية.

إن الملفت للنظر هو أن اليمين الإسرائيلي يسيطر على الساحة السياسية الإسرائيلية (بإستثناء فترات بسيطة تشكلت فيها ائتلافات مُؤقتة بين الليكود وبعض أحزاب اليسار والوسط) منذ عام 1977 عندما فاز “مناحم بيغن” زعيم الليكود بالانتخابات الإسرائيلية بعد أن تسيد حزب العمل بزعامة بن غوريون وهو أقرب إلى يسار الوسط السياسة الإسرائيلية منذ إنشاء إسرائيل عام 1948، فما هو السر يا تُرى، وبعبارة أخرى ما أسباب هيمنة اليمين الإسرائيلي على الساحة السياسية في إسرائيل منذ ما يزيد على أربعين عاماً؟ إن هناك أسباب عديدة لعلّ أهمها :

أولاً: نجاح اليمين الإسرائيلي (مُمثلاً في الليكود أساساً) في دعم الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية وهو هدف جوهري في الرؤية الإسرائيلية، حيث يزيد عدد المستوطنين الآن في الضفة الغربية عن نصف مليون مستوطن، الأمر الذي أشّر على نجاح إسرائيل، إلى الدرجة التي أصبحت معها تفكر في تطبيق القانون الإسرائيلي على هذه المستوطنات، بل وفي ضم منطقة الأغوار (وهي سلة الغذاء للضفة الغربية وتشكل 30% من مساحتها)، صحيح أنّ الاستيطان الصهيوني بدأ على يد حزب العمل قبل عام 1977، ولكن الصحيح أيضاً أنّ اليمين الإسرائيلي أعطاهُ زخماً وأستغلّ اتفاقيات “أوسلو” لتجذيره .

ثانياً: نجاح اليمين الإسرائيلي في عقد اتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية بالذات مصر من خلال اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، كما شارك في عقد اتفاقيات أخرى كاتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين عام 1993، واتفاقية وادي عربة مع 1994، بل وأضاف اليمين إلى نجاحاته السابقة في هذا الميدان نجاح حالي آخريتمثل في التطبيع مع دولتي الإمارات والبحرين، فضلاً عن بعض العلاقات غير الرسمية مع بعض الدول العربية الأخرى. إن هذه النجاحات دعمت صورة اليمين أمام الجمهور الإسرائيلي وصورته وكأنه الأقدر على التعامل مع أعداء إسرائيل.

ثالثاً: نجاح اليمين الإسرائيلي في توثيق العلاقة مع الداعم الأول لإسرائيل وهو الولايات المتحدة الأمريكية، ونقل هذه العلاقة من علاقة عادية وثيقة إلى علاقة استراتيجية، وقد تجلى هذا أكثر ما تجلّى في فترة الرئيس السابق ترامب الذي أهدى إسرائيل ما لم تكن تحلم به حيث اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحجب المساعدة الأمريكية عن المفوضية العامة للاجئين الفلسطينيين (الأنوروا)، واعتبر الاستيطان في الأراضي المحتلة شرعياً! صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد “بايدن” سوف يعيد نوع من التوازن إلى السياسة الأمريكية الخاصة بالمشكلة العربية الإسرائيلية، ولكنه بالتأكيد لن يمِس العلاقة “الاستراتيجية الخاصة” مع إسرائيل.

رابعاً: نجاح اليمين الإسرائيلي في تكريس اقتصاد متين يقوم على صناعة متقدمة (اسرائيل واحدة من اثنتي عشرة دولة بالعالم ارتادت الفضاء) وتكنولوجيا عالية (hi-tech) وتواصل عالمي مع دول كثيرة مهمة اقتصادياً كالهند والصين، الأمر الذي انعكس على المواطن الإسرائيلي الذي يعيش في بحبوحة معقولة بالقياس إلى غيره من مواطني الدول الأخرى، ومعروف أن المواطن العادي لا يتطلع في حياته إلى أكثر من أن يُشبع حاجاته الأساسية، ويتمكن من توفير لقمة العيش له ولأسرته بكرامة.