افاق الاخبارية :

بقلم : عبدالحكيم الحسبان

قبل أيام شهدت الساحة الأردنية تشكيل حكومة جديدة، وهي الساحة التي تعيش وضعا حرجا بفعل تكون خليط معقد من الأزمات يتشابك فيها الصحي مع الاقتصادي والمعيشي والسياسي، وحيث أبت هذه الأزمات إلا أن تجتمع وتتشابك أيضا مع وضع إقليمي ودولي، هو أيضا في غاية الخطورة والتوتر والدقة. ولأن “المصائب لا تأتي إلا مجتمعة”، كما يقول المثل الفرنسي الشهير، فقد جاء تشكيل الحكومة ليثير الكثير من ضوضاء المشاعر وصخبها لدى الأردنيين التي بدا وكأن كل المصائب قد اجتمعت في اللحظة عينها فوق رؤوسهم.

وقبل الخوض في تحليل نسق المشاعر التي أثارها التشكيل الحكومي في نفوس الأردنيين، إن كان على صعيد النخب الإعلامية أو السياسية، أو على صعيد الشارع الواسع، أجدني مضطرا لتسجيل ملاحظة تحليلية تتعلق بمسار تشكيل الحكومة حتى لحظة الإعلان عن ولادتها، وعن قائمة الوزراء الذي “وقع الاختيار” عليهم فيها. فطقوس التكليف لدولة الرئيس، كما طقوس التشكيل، كما التسريبات عنها، أنتجت نمطا من التفاصيل جعلت مسارات الأمور أقرب منها إلى “حفل لسحوبات اليانصيب” منها إلى عملية تشكيل وزاري عتيد لدولة تستعد للاحتفاء بمرور المئوية الأولى على تشكلها. وهو ما لم يكن يليق أبدا بدولة نحبها ونجلها ونخاف عليها حتى من رموش العين وأهدابها.

ففي حين يقول منطق الأمور أن نجاح صناعة السياسة في أي بلد يعتمد على حجم إدماج وإشراك أكبر عدد من سكان البلاد في العملية السياسية، وأن تشكيل الحكومات هو أمر يجب أن تسوده العلنية والعمومية، وأن الجمهور الواسع يجب أن يكون في صورته أولا بأول، بحيث يتابع الجمهور ووفق نقاش علني، وفي أكبر مساحة من الفضاء العام، لماذا يتم ترشيح الاسم الفلاني؟ ولماذا لا يتم ترشيح الشخص الفلاني؟ وما هي نقاط القوة والضعف في هذا الخيار أو في ذاك؟ ما يجعل الجمهور في حال من الشراكة ولو معرفيا أو عاطفيا في مسار تحديد اسم دولة الرئيس، وبما يخلق في الحد الأدنى نسقا من الألفة والقرب بين السياسة وصناعتها وبين جموع الأردنيين.فإن مسارات التكليف والإدارة الإعلامية التي سوقت لهذا التكليف اتخذت وللأسف نمط “حفل للقرعة” وحيث ينتظر الجمهور والإعلام وبكامل السلبية والاستلاب لحظة إعلان اسم الفائز.

فعلى مدى الأسابيع الأخيرة كنت أرقب وبحزن شديد لعبة خطيرة ومسيئة للسياسة وللدولة في بلادي عاشها الإعلام، كما عاشتها النخب: سيل ودفق متصل من التسريبات والتكهنات والتوقعات حول صعود أسماء وأفول نجم أسماء أخرى، دون أن يكون هناك نقاش في الفضاء العام حول تركة وتراث هذه الشخصية على المستوى الوطني، وحول قدراته القيادية، وكأننا لسنا أمام صناعة تشكيل حكومي تصنعها خبرات الأردنيين وتجاربهم وخياراتهم ورؤاهم للحاضر والمستقبل. المشهد كما مارسه الإعلام والنخب كان أشبه بجمهور واسع سلبي، يجلس متسمرا أمام شاشات التلفاز وشاشات الخلوي الذكية لتقول له هذه الشاشات من هو دولة الرئيس الذي تم اختياره له. في السياسة كما تمارس في الدولة الحديثة يشكل الناس وبالتدريج وعلى مدى عشرات السنين تصورات حول أداء السياسيين، وعندما يشغر موقع الرئيس أو رئيس الوزراء تكون القائمة جاهزة في ذهن الناس حول الشخص أو الأشخاص المحتملين لهذا الموقع. إعلان اسم من يقود الحكومة في الدولة الحديثة هو بين أكثر القرارات التي لا تخضع لعنصر السرية والمفاجأة على الإطلاق، بل أن أهم شرط فيها هو العلنية المطلقة التي تجعل من الناس شركاء في صناعة السياسة ولو معرفيا أو عاطفيا.

وعلى صعيد ردود الفعل التي سادت في الشارع وتلك التي بثت عبر وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان النسق السائد من الممارسات الخطابية ينقسم بين؛ ممارسات خطابية تقول بأن التشكيل الوزاري يفتقر للكفاءات المطلوبة لمواجهة تحديات المرحلة، وأخرى تقول بأن التشكيل الوزاري يفتقر إلى عنصر التمثيل الحقيقي للجمهور والمجتمع، وثالثة ترى بأن التشكيل الوزاري الجديد هو في الجوهر ليس بجديد، باعتبار أن تجربة الحكومات المتعاقبة بينت أن تغيير الحكومات في الأردن لم يعد يعني مطلقا تغييرا في السياسات أو في النهج، بل إن تغيير الحكومات المتواصل والكثيف كانت حصيلته عبر السنين هو ما يقوله المثل الفرنسي الشهير: “كي لا تغير أي شيء مطلقا، فإن عليك في الواقع أن تغير كل شيء”.

لن أناقش مدى منطقية مشاعر الغضب والإحباط والقنوط التي عبر عنها الشارع تجاه التشكيل الحكومي الأخير، فهذا مجاله إجراء عشرات وربما مئات الأبحاث العلمية المعمقة، ولكني سأقتصر فيما تبقى من مقالتي على مناقشة أزمة بل معضلة اختيار مجلس الوزراء رئيسا وأعضاء في الأردن، التي حان الوقت للنظر إليها ليس باعتبارها مجرد أزمة ناتجة عن ارتكاب أخطاء عابرة هنا أو هناك في عملية صنع القرار، بل هي معضلة في جوهرها بنيوية، أي أنها تتعلق ببنية اجتماعية تاريخية تشكلت على مدى قرون لتستقر على الحال الذي هي عليه اليوم، وبما لا ينتج على الدوام إلا الأزمات والمعضلات والمآزق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والأمنية. وبكلمات قليلة، أقول جازما أن أزمة تشكيل الحكومات لا تتعلق مطلقا بالنوايا ولا بصوابية الاجتهادات أو عدمها، بل هي أزمة المجتمع الكبير قبل كل شيء.

ففي بلاد الغرب التي يحلو للناس أن يتخذوا منها مثالا وقدوة عند حديثهم عن الاقتصاد والأخلاق والسياسة، تطور المجتمع ونضج، فانضوت جموعه في تشكيلات فكرية وسياسية هي الأحزاب. الحزب هناك هو عبارة عن جموع من الناس تحللت من العشيرة والطائفة والشلة والفردية لتتشارك مع مجموعة من مواطنيها، فكرة ما لمشروع ما حول إدارة المجتمع والدولة في الصحة والاقتصاد والطبابة والأخلاق والسياسة. الحزب هو نمط من التجمعات الإنسانية التي تجمع الإفراد الذي باتوا يلتقون ويتفاعلون لأنهم يتشاركون الهدف نفسه، وهي في هذه الحالة برنامج فكري وذهني واحد يتعلق بإدارة المجتمع. وعليه، فستجد ان المجتمعات الغربية لم تعد جموعا من الناس تتشكل من كيانات فردية متصارعة، ومن رقع من العشائر المتناحرة أو الطوائف المتصارعة الكارهة لبعضها البعض. في المجتمع الغربي تتم صناعة السياسة من خلال انضواء ملايين الناس داخل تشكيلات طبقية اقتصادية اجتماعية تعبر عن نفسها في السياسة بأحزاب سياسية.

وعليه، ففي بلاد الغرب التي تحب النخب العربية أن تتخذها مثالا عند حديثها عن فساد النظم السياسية العربية، لا تتم صناعة السياسة بواسطة كتل ورقع من الشلل والعشائر والطوائف والعصب، بل تتم صناعة السياسة والدولة من قبل المجتمع نفسه الذي تطور ولم يعد رقعا من القبائل والشلل والطوائف والعصب، بل بات المجتمع يتشكل من تيارات فكرية وإيديولوجية تملك أذرعا تنظيمية تأخذ شكل الحزب والنقابة والصحيفة وكتلا من النخب الفكرية. وعليه، ففي معظم بلاد الغرب باتت المجتمعات منقسمة إلى ثلاث أو أربع تيارات فكرية سياسية وبالتالي حزبية. ولا يجري تداول السلطة باعتباره تداولا بين أشخاص فرديين ذات كينونات فردية، بل يجري تداول السلطة بين أحزاب، فيوم يصل السلطة حزب المحافظين، وفي يوم آخر يصل حزب العمال، وهكذا تسير الأمور. وعليه أيضا، ففي بريطانيا لا يصل رئيس الوزراء إلى هذا الموقع وحيدا وبسيفه وباعتباره شخصا حتى ولو كان في غاية العبقرية والكارزماتية، بل يصل رئيس الوزراء لان الحزب هو الذي وصل إلى هذا الموقع. ففي بريطانيا لم يكن توني بلير ولا جون ميجر ولا مارغريت تاتشر هم من وصلوا للسلطة، بل كانت الأحزاب التي هم أعضاء فيها، هي من وصلت للسلطة، فأوصلتهم بالتالي للسلطة.

وأما في باب ممارسة العمل الوزاري، فإننا نتحدث أيضا عن معضلة بنيوية. فالوزير الذي يصل إلى مكتبه وقد ووجه بالشتيمة في معظم الأحيان، وبالنقد في أحسن الأحوال. هو لا يشبه مطلقا حال نظيره البريطاني. وهنا، فان الحديث لا يجري عن فوارق شخصية وفردية على الإطلاق. أجزم أن في الفريق الوزاري الأردني الحالي والسابق والأسبق، هناك من الوزراء من أهم أكثر ذكاء وأخلاقية ومناقبية من نظراء لهم في أهم الدول الغربية. معضلة الوزير الأردني ومحدودية انجازه، تكمن في انه يدخل الوزارة وهو لا يشبه مطلقا نظيره البريطاني او الفرنسي. فهو يدخل الوزارة وهو لا يملك الا رصيدا من الخبرات والقدرات الفردية التي راكمها على مدى حياته جاء ليمارسها ويختبرها، في حين أن نظيره البريطاني يدخل الوزارة ومعه تراث الحزب وبرنامجه وخطة العمل التي بلورها الحزب. ويدخل الوزير الأردني الوزارة وعليه أن يبدأ برنامجه الشخصي من الصفر، في حين أن نظيره البريطاني يجيء ليستكمل خطة عمل في وزارته وليراكم خطوات سبق لحزبه أن وضعها، وحيث سبق للحزب أن وصل لنفس الوزارة في الماضي ووضع خططا جاء هو ليستكملها.

في صناعة السياسة والوزارة وفي ممارستهما في الأردن، فإن درجة تطور المجتمع والدولة ونضجهما، لا تتيحان إلا هذا النسق من الممارسة وما ينتج عنهما من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية. وهو ما يعني أن مهمة الدولة في الأردن باتت إستراتيجية، وهي لا تتعلق بإدارة أمور الصحة والبيئة والاقتصاد على أهميتهم، بل باتت مهمة الدولة هي إحداث تطور تاريخي يتيح للمجتمع أن يتطور وينضج كي يعبر من نطاق العشيرة والطائفة والشلة إلى نطاق المجتمع والمجتمع المدني والدولة.