مسلسل “رامي” .. مسلمو أمريكا بلا رتوش

admin
Read Time1Second

آفاق نيوز :

 تكمن ميزة المسلسل الأمريكي “رامي” –إنتاج 2019- في أنه يسعى إلى تجاوز محاولات تنميط صورة المسلم في المجتمع الأمريكي؛ فهو ليس مشروع إرهابي ولا شخصًا متزمتًا كما يعتقد البيض، وفي المقابل فهو ليس الشخص الملائكي المضطهد والذي تمارس عليه كافة أشكال العنصرية من قبل الآخر غير المسلم، إنه مواطن أمريكي يحاول الاندماج في المجتمع وتخطي العثرات التي تخلقها خصوصيته الدينية والهوياتية وأيضًا يخلقها اختلاف الآخر ومدى تقبّله لهذه الخصوصية. فالمسلمون في أمريكا فئة تمتلك أفكارًا خاصة عن نفسها؛ بعضها عنصري مثل تصوّر عدد غير قليل من الشباب المسلم للفتاة البيضاء غير المسلمة بأنها تفتقر للأخلاق، كما أنّ هذه الفئة تتعرّض لأشكال مختلفة من العنصرية أبرزها الصورة النمطية عن المسلم الشرقي وعن المرأة الشرقية.

وعلى الرغم من أن المسلسل يحمل اسم بطله الكوميدي الأمريكي المسلم رامي يوسف فإنه يكاد ينفصل عنه ليحمل طابعا خاصًا يرمز للمسلمين في أمريكا، وبذلك يبدو اسم المسلسل وكأنه يوجّه رسالة واحدة إلى طرفين: الأول وهو الطرف الأمريكي عن حق الاختلاف والوجود في المجتمع ورفض السياسات الإقصائية التي تقوم بها إدارة الرئيس الأمريكي (ترامب) ضد المسلمين وكذلك رفض الصورة النمطية عن المسلمين التي تعززت بعد أحداث 11 أيلول، أما الثاني فهو الشعوب العربية والإسلامية التي تريد فصل هؤلاء عن مجتمعهم الأمريكي وإلحاقهم بسرديتهم وتوظيف مظلوميتهم ضمن سياق خطاب هذه الشعوب. إنّ المسلسل يتبنى رسالة كفيلة بأن ستزعج الطرفين.

ينتمي رامي إلى عائلة مسلمة –من أصول مصرية- غير متديّنة على المستوى الطقوسي، غير أنها تنتمي إلى سياقها الاجتماعي والديني، لذلك فإنه يبحث عن فتاة مسلمة كي يرتبط بها، ويتطوّر البحث ليعود إلى الماضي واستعادة أشكال الخطبة التقليدية عن طريق الأم أو المعارف. يكشف المسلسل عن تناقضات الشباب المسلم في أمريكا الذي ليس لديه مانع من إقامة علاقات مع فتيات بيض لكنه يرفض في الوقت نفسه الزواج بهن، و كما يكشف عن الأزمة الروحية التي يمر بها هؤلاء الشباب من خلال سعي رامي ومحاولاته الدؤوبة كي يكون مسلمًا صالحًا يصلي ويصوم ويبتعد عن المعاصي، ومن خلال اصطدام هذا الجانب مع الواقع الأمريكي الذي يريد أيضا الاندماج فيه وأن يكون فاعلاً في إطاره.

يقدم المسلسل بطابعه الكوميدي وعبر إيقاعه السريع –عشر حلقات لا تتجاوز الحلقة الواحدة نصف ساعة- شخصيات متنوعة من المسلمين؛ فهناك الأب (قام بدوره الفنّان عمرو واكد) الذي يمضي معظم وقته بين العمل والجلوس على التلفاز لمشاهدة الأفلام المصرية القديمة، ويتعامل مع زوجته بإهمال ولا يراعي احتياجاتها، وهناك الأم التي تعاني من الإهمال ومن الفراغ الزمني والعاطفي تحاول قتله عبر إشغال نفسها مرة بالتمارين ومرة بالعمل. أمّا الابنة فهي عرضة للتضييق والتمييز من قبل الأهل وتفضيل الابن عليها من جهة، وعرضة للعنصرية وتعامل الشباب البيض معها كموضوع جنسي جذّاب يأخذهم إلى سحر الشرق والأفكار النمطية عن المرأة هناك. ولدينا الخال “نسيم” الكاره للنساء ولليهود على الرغم من أنه محاط باليهود في عمله تاجرًا للماس والذي يقدم المسلمين كمضطهدين ومستهدفين في الوقت الذي لا يجد فيه غضاضة في خرق كل قواعد الإسلام التي يتغنّى بها.

الأزمة التي يعاني منها الابن “رامي” هي أزمة هويّة في الأساس، إذ يشعر أن جذوره غير ثابتة على الأرض التي ينتمي إليها، لذلك سيقرر زيارة موطنه الأصلي مصر بعد أن يحدثه والده عن جده وشرائطه التي كان يرسلها إليه محرضًا إياه على العودة إلى مصر، وبعد أن يستمع لهذه الشرائط. عودة رامي إلى موطنه الأصلي مصر وإلى القرية التي يسكن فيها الجد–في الحلقة الأخيرة وما قبلها- ستتقاطع مع وفاة الجد، ولن يدور بينهم سوى حوار قصير ويتيم؛ سيتحدث رامي عن الشرائط وعن إحساسه بضياع الهوية: “عندي إحساس إنك ممكن تقولي حاجة لازم أسمعها عشان أنا زي ما انتا كنت بتقول–في الشرائط لوالده- أنا قاعد في أمريكا ومش عارف نفسي”. هنا ستغيب صورة الحفيد في ذهن الجد وسيحضر الابن الذي أمضى الجد يحلم بعودته وأن يعلمه خبرة الحياة التي تعلمها، سيشد الجد على يد الحفيد ويخاطب الابن : “يا حبيبي يا فاروق”، ثم يتوجه إلى الحفيد: “يا ما تمنيت إن اللي تعلمته أعلمه لأبني، أبوك، بس الحكمة يا ابني مش سهلة…. لازم الأحفاد يتعلموا من الأجداد، دي الحكمة اللي أنا طلعت بيها يا ابني”.

إنّ التعلّم هنا قد يكون من الأخطاء والهزائم لا من النجاحات والانتصارات؛ هذا ما يؤكده مشهد صحن الفراولة الذي يحضر، بعد أن يختم الجد حواره بتلك الحكمة، كمشهد استعماري إذ يشير المسلسل (في الحلقة الرابعة) إلى سياسيات الولايات المتحدة التي منعت دولاً من زراعة المحاصيل الأساسية ووجهتها إلى زراعة محاصيل كمالية مثل الفراولة يتم توريدها إليها. وتأتي وفاة الجد إشارةً إلى انقطاع الجذور التي يبحث عنها رامي؛ أي أن هذا الجيل الذي نشأ وترعرع في أمريكا لن يتعلّم شيئا من الأجداد كما كان يطمح الجد،ولن يقرر البقاء في مصر كما يحدث في الأفلام والمسلسلات العربية. لكنه سيجد نفسه مندمجًا أكثر مع ابنة عمّه–سيقع في حبها-التي ستعرفه على القاهرة الشعبية وتأخذه إلى مساجد المتصوفة وتجعله يشارك في ابتهالاتهم؛ أي أنها ستجعله على اتصال مع هويته ومتصالحًا معها.

0 0
0 %
Happy
0 %
Sad
0 %
Excited
0 %
Angry
0 %
Surprise
Next Post

توكارتشوك .. من علاج الإدمان إلى الفوز بنوبل

آفاق نيوز : لعل الروائية البولندية أولغا توكارتشوك (57 عاما) لم تتخيل حين قدمت استقالتها إلى إدارة المستشفى، كاختصاصية في معالجة الإدمان، أنها بدأت، في ذلك اليوم البعيد، تشق طريقها نحو جائزة نوبل! ولا تجد توكارتشوك حرجا في الاعتراف بأنها في تلك اللحظة، أدركت أنها أكثر اضطرابا من أحد مرضاها، […]

Subscribe US Now