بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه

العقبة الحبيبة فُجعت بكبار المسؤولين ، قبل ان تُفجع بجريمة الإنفجار . العقبة نُهِشت ، وقُسمت ، وعُزِلت عن الوطن ، وقُطِّعت إرباً ، وبيعت بأبخس الأثمان ، ودون شروط مُقيِّدة للمشتري ، حيث يُفترض إلزام المشتري ان لا يبيع للغير الا بموافقة الحكومة الأردنية ، لكن ما حدث انه يحق للمشتري ان يبيع لأية جهة كانت دون الرجوع الى الحكومة الأردنية ودون الحصول على موافقتها او حتى إخطارها . والكارثة ما رشح ان قيمة عقد البيع (( ٥٠٠ )) مليون دينار ، مع شرط التزام الحكومة بتوصيل كافة الخدمات ، والتي تصل كلفتها الى (( ٧٠٠ )) مليون دينار !؟ كيف !؟ ومع ان ميناؤنا وحيد ، ومنفذُنا البحري يتيم ، الا اننا لم نحرص على ان تكون السيادة فيه مطلقة ومتفردة للأردن الدولة .

بعد ان فُجِعت العقبة بجريمة الإنفجار ، شُكلت لجنة على عجل ، لا بل خلال ساعتين من وقوع الإنفجار . وأظنه دخل ضمن مفهوم التسرع لا السرعة ، مع ان هذا جيد الى حدٍ ما . لان هذه السرعة جاءت كردة فعل لضخامة وخطورة الحادث ، ولانه تسبب بفقد أرواح أغلبها بريئة ، لا ناقة لها ولا جمل في سوء الإدارة ، ولا في التقصير ، وكل ما يُشغل أغلب الضحايا سواء الذين توفوا او أُصيبوا باصابات بالغة او طفيفة هو الكد والكدح لتأمين لقمة عيش وحياة مستورة لعائلاتهم ، ولو كانت هذه اللقمة مغموسة بمواد سامة او نقصٍ من كرامة ، او تجرعٍ لكوارث أُقحموا بها من إدارات ومسؤولين بالقطع انهم ليسوا أهلاً لهكذا مسؤوليات جِسام ، الخطأ فيها يطال الوطن والمواطنين .

لأُبين لكم حجم المأساة وتعقيداتها سأستخلص لكم بعض ما نُشِر على العلن ، وما رشح من معلومات ، وما أُعلن من توضيحات لمواقف ، وبعضٍ ممن يدير النار على قرصه ، ومحاولة تبرأة انفسهم ، والقاء المسؤولية على غيرهم . آملاً ان أوضح الآتي للأهمية :— ١ )) أنني لست مُقيِّماً ، ولا مُتأكداً من مصداقية ما يُقال . ٢)) قناعتي الشخصية ان التقرير الذي صدر عن اللجنة لا يعدو ان يكون تقريراً إدارياً تشوبه الكثير من العيوب إبتداءاً من مثالب تشكيل اللجنة ، الى الإنتقائية وتوجيه بعض الاجراءات لتقود لنتائج موجهة لحرف مسار التحقيق لتبرأة بعض المسؤولين ، وزج آخرين . ٣)) لدينا قضاءٌ عادل ، يضم كفاءات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة ، وعليه فان قناعتي الشخصية ان يتولى القضاء المهمة كاملة ، وان لا يُنظر لهذا التقرير أكثر من كونه وثيقة من آلاف الوثائق التي سيطلع عليها القضاء .

القراء الكرام ، كيف لمفوض البيئة ، ونائب رئيس السلطة ، ومدير شركة تطوير العقبة ، كيف لهم ان يحققوا مع رئيسهم مثلاً !؟ وثلاثتهم اليس لهم علاقة بالجريمة !؟ وهل تطالهم المسؤولية !؟ ثم ألا يشتركون مع رئيس السلطة في المسؤولية !؟ اليست مسمياتهم الوظيفية وإدارتهم جهات مسؤولة !؟ يُفترض في جهة التحقيق ان تكون جهة مُحايدة . تصوروا انه رشح بانه سيتم توجيه إستجواب لمسؤول قسم نُظم المعلومات الذي لديه كاميرات المراقبة لانه سرب فيديو الإنفجار الى الأجهزة الأمنية !؟ نعم سيتم توجيه إستجواب ولوم له لانه سرّب .. نعم سَرَّبَ .. وإستخدام كلمة ( سرّب ) تشي او توحي بتوجيه تهمة لتسريبه فيديو الإنفجار الى الأجهزة الأمنية !؟ يا عيب العيب . وكأنهم يودون ان يُخفوا بعض الأمور لكن عن من !؟ أجهزتنا الأمنية ، درع الوطن ، وحاميه ، وصانعة أمانه ، أكاد أفقد أعصابي . نعم سيتم توجيه إستجواب لرئيس قسم نُظم المعلومات لماذا قام بتسريب فيديو الإنفجار الى الأجهزة الأمنية !؟

مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانيء بالوكالة ، وجه رسالة صوتية معززة ببعض الوثائق ، وقال :— [[ أشار الى كتاب صدر من مجلس الإدارة بتاريخ ٢٠٢٠/١٢/٢١ ، عندما تم تكليفه مديراً عاماً بالوكالة بإستثناء إجراء التعيينات والتنقلات ، وهذا أدى الى تقييده ، حيث لم يستطع إتخاذ اي قرار بحق الموظفين المهملين ، او الإدارات الوسطى ، وقيده تقييداً شاملاً . بالإضافة الى كثير من المطالبات من رئيس مجلس الإدارة ، الذي كان يرفض الإجابة عليها . وأشار الى انه طلب منه الموافقة على عمل دورات سلامة عامة ، ودورات تستيف البضائع ، وتم رفض الموافقة على هذه الدورات ، مما حمّل الشركة مبالغ كبيرة لأصحاب المكاتب التي عملت هذه الدورات ، وفسخت العقود معهم . وعندما قام ميناء الحاويات بعمل تفتيش على الشركة من ناحية السلامة العامة ، ورفعوا تقريرهم ، وتم رفعه الى مجلس الإدارة لإجراء اللازم ، واشار الى انه شكل لجنة لعملية التنسيق ووضع تعليمات للسلامة العامة ، وعُرض على مجلس الإدارة ولم تتم مناقشته حتى تاريخه .

تم نشر العديد من المرسلات والمخاطبات بين عدة جهات ، فحواها الطلب من الجهات المسؤولة الإجابة على المراسلات وعلى التقارير المُرسلة ببيان الرأي حول الملاحظات الواردة مع الإشارة الى ان هناك الكثير الملاحظات ذات أهمية عالية وتشكل خطورة على السلامة والصحة البيئة في الميناء وبحاجة لإجراء اللازم بالسرعة الممكنة لمعالجتها . وزير الداخلية في مؤتمره الصحفي قال : ان ادارة الموانيء لها موازنة خاصة بها ، في السنة الماضية رُصد لها (( ٥٢ )) مليون دينار ، وتم صرف (( ٤٧ )) مليون دينار . وأشار الى انه سأل مدير شركة الموانيء ، هل طلبت من شركة تطوير العقبة او من مجلس الإدارة مشتريات وتم رفض الموافقة على الشراء ؟ فأجاب بالرفض ، وان المرة الوحيدة التي طلب بها مبلغاً من المال من شركة تطوير العقبة ، تمت الإجابة بالموافقة . فلم يحدث ان هناك نقصاً بسبب عدم الموافقة على طلبات الشراء .

المعروض كثير ، ووسائل التواصل تعج بالغث والسمين ، الذي لا يمكن حصره ، ويستحيل القاء الضوء عليه . وكلما مرّ الوقت ، كلما تعقدت الأمور أكثر ، وتشعبت الطروحات ، وتعددت وجهات النظر . ومن كان لديه دلو ، أنزله في البئر حتى لو كان في البئر (( لَجْفَة )) ماء . في خِضم هذا المعروض الهائل المتعدد ، والمتناقض في أحايين كثيرة ، لا مُلتجأ للوطن والمواطن بعد رب العباد الا اللجوء للقضاء ، ليتخذ القرار الفصل في هذه الجريمة التي أودت بحياة شباب في ريعان العمر ، ويتمت أطفالاً ، ورمّلت نساءً ، وكسرت قلوب أُمهات وآباء ، وشقيقات وأشقاء وأصدقاء . وهزّت أركان الوطن ، وتخلخلت الثقة واتسعت الهوة بين الشعب والحكومة أكثر مما هي عليه ، لان الثقة بين الحكومات والشعب تترنح ، لا بل في حالة إحتضار منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن . لأرواح من فقدنا الرحمة ، ولعائلاتهم وأُسرِهم وذويهم ومُحبيهم الصبر وحُسن العزاء ، والعزاء الأكبر للوطن المكلوم بحكوماته هزيلة الأداء .