د. مفضي المومني.
2022/7/2
يحكى أن رجلاً أتى من قريته لزيارة المدينة ومعه تيس (مقرن)… يريد بيعه، وعند ذهابه لقضاء بعض حاجاته قام بدق وتد وربط به التيس امام محل حلاقة لحين عودته، وأثناء غيابه أتت عجوز (دهريه) وجلست عند الوتد… واخذت تحركه وتخلخله وتعبث به… إلى أن تخلخل واقتلعه التيس وهرب …ومباشرة رأى التيس المنفلت صورته في مرآة على واجهة محل الحلاقة… ولم ينتظر فنطح صورته… وهشم وكسر المرآة، فخرج الحلاق غاضبا فاستل موسه وذبح التيس… وهنا آتى صاحب التيس فتعارك مع الحلاق وقتله… فزع اهل الحلاق وقتلوا صاحب التيس… وفزعت عشيرتي الحلاق والتيس واشتبكوا بالقني والسكاكين وصارت معركة… قتل من قتل وأصيب من اصيب فيها… حضرت الشرطة وبدأوا التحقيق… ووصلوا إلى من فك رباط التيس… واستجوبوا العجوز..فقالت بدهاء… ما عملت شي… أنا بس هزيت الوتد… !.
حادثة الميناء المؤسفة وتسرب غاز الكلورين السام، وما تبعها من وفيات ( رحمهم الله جميعا وصبر أهلهم) وإصابات وزيارات حكومية وفزعات وإشغال لكل الجهات من الامن العام والدفاع المدني والمستشفيات(يعطيهم العافية)، وما تبع هذا الحادث المؤسف الجلل، من إزهاق أرواح وتلويث للجو والبيئة وإشغال الرأي العام والصحافة المحلية والعالمية، وبدء التحقيق… والذي سيقودنا حتما إلى حبل الرافعة المهترئ… نعم إنه الحبل يا سادة… هو المسؤول الأول عن الحادثة… ومن سيتم إستجوابه… وإيقاع العقوبة عليه، لأنه المسؤول الأول، لكنه سيقول ما ذنبي… ! أنا لي طاقة حمل 10 طن وحملوني 29 فوق طاقتي، وسيقول إن له عمر تشغيلي انتهى منذ زمن الله أعلم به، ولكن الحبل الملعون عمل عمل وتد العجوز، صحيح أنه المذنب الأول، ولكن خلف هذا انكشف الطابق؛ العمال يخاطبون الإدارة بدنا حبل..! إلإدارة (سلكوا) فيه ما في مخصصات..! أنتم لحوحين ولا تقدروا وضع المؤسسة المالي، رصيف 4 غير مخصص لتحميل غاز سام، وكان يجب التحميل من ميناء الحاويات لأن فيه روافع خاصة بذلك، تمت الموافقة من الإدارة للتحميل من رصيف 4، المسؤول الرئيسي طلع بالوكاله وطلع لا بحل ولا بربط، إجراءات السلامة والصحة العامة غير موجوده، لا يوجد صيانه دوريه كله عالتواكيل..! المسؤول الأعلى مسافر، الحالة المادية تسمح بشراء سيارات فارهة لأصحاب الياقات البيضاء، وغيره الكثير مما انكشف بهزة وتد… قصدي قطعة حبل…!، ولم يتبرع أحد منهم ليقدم إستقالته ويتحمل المسؤولية الأدبية والأخلاقية عما حصل في أمر كارثي جلل..! هز مشاعرنا جميعاً.
رباط السالفة ومن ذوبان الثلج وإنكشاف المستور… الوضع في مؤسسات العقبة؛ هنالك طبقتين الأولى مسؤولين منعمين مرفهين بسيارات فخمة ومكاتب (فايف ستارز) ومكافآت ورواتب ضخمة، وسفرات وطلعات ونزلات في اصقاع الدنيا( وما كلفوا خاطرهم يوم يزوروا العمال ومواقع العمل ويتطمنوا عليهم… شو ناقصهم شو محتاجين..! هكذا قال العمال مش من عندي..)، طبعا وكما نعرف فتعيينات سلطة العقبة (إللي فيها دهن..تتم بذات الطريقة اللي خابرينها… إلا من رحم ربي..!)، وأعتقد أن تقرير لجنة التحقيق سيقول أكثر… !.
الطبقة الثانية، عمال برواتب محدودة، يشكون ويتذمرون ويعتصمون ويطالبون بحقوق وامتيازات على (قدهم)… ورأينا ذلك سابقاً، وكما يبدوا فهنالك حجاب كبير بينهم وبين مسؤوليهم.
خلاصة الموضوع، لو عمل الجميع بإخلاص وحرفية، وطبقت القوانين والأنظمة، ولو لم يحجز المسؤولين انفسهم في بروجهم العاجية من مكاتب ومخصصات وتنفيعات، ولو نزلوا إلى الميدان وتحسسوا أمور مؤسساتهم، وراقبوا وأشرفوا كما يجب، لما وقعت مثل هذه الكوارث، بسيطة الحل وقليلة الكلفة، ولكن الخطأ فيها كارثي ومميت، ويزعز الكثير من مقدرات الوطن، ألإهمال يبدأ من الأعلى وأقصد المسؤولين، ولا ابرء من عينهم إذا نزلوا ببرشوت العلاقات والقرابه وتبادل المصالح والنسب والنشب وإبن فلان وأبن علان، العمل في الموانئ عمل فني حرفي بامتياز ومستويات عالمية، لا تصح فيه المشيخة وانعدام الكفاءة ولو كان واسطته…( إبصر مين..!).
اقليم العقبة الإقتصادي بخصوصيته التي سوقت إنشاؤه، اريد له أن يخرج من بيروقراطية العمل الحكومي العام، وأن يواكب التقدم العالمي، وأن لا تقيده السياسات والقوانين الجامدة المحبطة، وجد ليصنع حالة عالمية تضاهي مثيلاته في الدول المتقدمة، فهل حقق ذلك؟ ونحن ما زلنا نضع خيباتنا على حبل الرافعة، ونلوم من لا يلام وننئى بأنفسنا عن الخطأ… ولو كان أدبيا تقديرياً..!، ولا يحرك فينا موت الناس وإزهاق ارواحهم ومعاناتهم أن نستل قلم الإستقالة الأدبية..!؟ لأن الإمتيازات اكبر من أن تقاوم، ولأن المصلحة الخاصة تعلو المصلحة العامة.
ما حدث في كارثة التسرب موجود في الكثير من مؤسساتنا… ولطف الله لم يقدر له أن يحدث بعد وقد يحدث لا سمح الله في أي لحظة، فهل نركن لذلك؟ ولا نعمل بجد وحرفية وإخلاص لنتفادى الأخطاء…والكوارث.
نحب الأردن ونحبه وطناً يعانق عنان السماء… فلا تخذلونا بمن نحب يا ساده… وحتى يصدر التقرير سلمولنا على الحجه… حمى الله الأردن.