جواد العناني

سؤال افتراضي مستقبلي: ماذا لو توقفت حرب روسيا على أوكرانيا غداً، هل ستنتهي مشكلة التضخّم في الأسعار العالمية.

هل يعود سعر القمح إلى حدود 300 دولار للطن المتري من القمح كما كان الحال قبل اندلاع الحرب الأوكرانية، بدلاً من سعره الحالي الذي يقارب 500 دولار؟
هل سيعود سعر برميل النفط إلى حدود 80 دولاراً للبرميل الخام كما كان قبل تلك الحرب. ويهبط من سعره الحالي (يوم الاثنين الماضي) المقارب 114 دولاراً لكل برميل من  خام برنت حسب نشرة الطاقة الصادرة عن وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأميركية؟
للإجابة عن سؤال معقد كهذا، يجب أن نتناول قضايا فرعية مهمة يمكن أن تندرج في إطار الإجابة الاستنتاجية عنه.
أولى هذه القضايا: هل كانت حرب أوكرانيا مُشَوشة للأسواق العالمية، ومخلّة بنظام سلاسل التزويد إلى هذا الحد الذي جلب ارتفاعاتٍ في أسعار المواد الأساسية تقارب الـ 50% على المواد الغذائية الأساسية والنفط والغاز والمعادن؟
أم أن الضغوط التضخّمية كانت قد بدأت تطلّ برأسها فوق سطح الماء بسبب جائحة كورونا التي شهد انحسار موجتها ارتفاعاً في مستوى الطلب العالمي الفعّال، وأدّى إلى زيادة الطلب على الأيدي العاملة، ونقص في كميات التزويد المتاحة، وارتفاعات في كلف الشحن والتأمين البحري؟
وإذا انتهت الحرب الأوكرانية، هل سيعني هذا زيادة في الكميات المعروضة من السلع إلى الحد الذي يعيد الكمية المعروضة لتتساوى مع الكميات المطلوبة، وتستقرّ الأسعار الدولية عند مستوياتٍ أدنى من مستوياتها الحالية؟

من الواضح أن هذا يعتمد على ردات فعل الدول ومدى رغبتها في إيقاف الممارسات التجارية الضارّة بحرية تنقل السلع والخدمات بدون عوائق إدارية، ومقاطعات معلنة، ومحاصرات للموانئ هنا وهناك.

النقطة الثانية التي يجب التوقف عندها مدى نجاح السلطات النقدية، أي البنوك المركزية، في العالم في كبح جماح التضخّم عن طريق رفع أسعار الفوائد، والتي تبدو وكأنها باتت الوسيلة الوحيدة للسياسة النقدية.
وقد أدّت هذه السياسات، كما شهدنا خلال هذا الأسبوع المنتهي يوم الجمعة غداً (24 من يونيو/ حزيران)، حيث هوت مؤشّرات البورصات العالمية والوطنية في دول كثيرة، كما حصل في نيويورك ولندن وباريس وفرانكفورت وشانغهاي وطوكيو وغيرها، وفي أسواق وبورصات الخليج.
ويقف السبب الرئيسي خلف هذه التراجعات رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي “البنك المركزي” في الولايات المتحدة أسعار الفوائد بمقدار 75 نقطة دفعة واحدة. وبارتفاع أسعار الفوائد، تتراجع قيم الاستثمارات المالية، سواء سندات الخزانة والأذونات أم صكوك الملكية كالأسهم والعقار.
ولكن دولا كثيرة، والنامية منها على وجه الخصوص، لا تريد أن تسير على هذا النهج، فالمشكلة في الاقتصادين، الأميركي والأوروبي، ليست في الركود وانخفاض معدلات النمو، بل في التضخّم على نقيض دول نامية كثيرة، كان معظمها يعاني من انخفاض معدلات النمو وارتفاع البطالة، وإن وقع بعضها بين فكي البطالة والتضخّم، مثل فنزويلا والأرجنتين وبعض الدول الأفريقية والآسيوية وإيران.

وتفضّل هذه الدول النمو وزيادة الإنتاج وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل، بدلاً من التركيز على تخفيض الأسعار مع تبنّي برامج بموازنات محدودة للحماية الاجتماعية.

وإذا استمرّت أوضاع الطقس السيئة في العالم على حالها من جفاف وارتفاع في درجات الحرارة، وسوء توزيع في الأمطار، ووقوع مجاعاتٍ تطاول مئات الملايين من البشر، فإن هذا العالم المنكوب لن يستجيب لدعوات الدول الغنية لمحاربة التضخّم، وستقع ازدواجية في السياسات النقدية والمالية، تؤدّي إلى مزيدٍ من التشوش في أسواق النقد والصرف، وتعقد المعاملات المالية، ولربما تؤدّي إلى تعميق حروب العملات بين الدول الكبرى.

الأمر الثالث الذي يجب تناوله في هذا السياق قدرة الدول الكبرى على تبنّي سياسات اقتصادية مستقرّة في ظل الصراعات الداخلية التي تعاني منها، وهو ما يمكن أن تسميه معضلة إيمانويل ماكرون. بعد فشل التحالف الذي يقوده في الانتخابات التشريعية، أخيرا، في فرنسا وحصوله على 245 مقعداً من أصل 577 مقعداً.
وما حصل عليه التآلف يقل 44 مقعداً عن العدد المطلوب (289) ليحافظ على الأغلبية البسيطة. وقد وصفت رئيسة وزراء فرنسا إليزابيث بورن نتائج الانتخابات البرلمانيّة وفشلها في منح الغالبيّة لأيّ حزب التي أعلنت يوم الأحد الماضي 19 من يونيو/ حزيران بأنها كارثة وتُشكّل خطراً على البلاد.
وهناك تنبؤات أيضاً أن انتخابات وسط الفترة الرئاسية التي ستقع في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل في الولايات المتحدة، ويُعاد فيها انتخاب كامل أعضاء مجلس الممثلين وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، بأنها ستكون لمصلحة الحزب الجمهوري، ما سَيُعقِّد حياة الرئيس الديمقراطي جو بايدن، ويقلل من فاعلية قرارته الاقتصادية والسياسية.
وبوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني يتأرجح موقفه في المملكة المتحدة، ووجد مهرباً له من همومه الداخلية في اتخاذ المواقف المتشدّدة من حرب أوكرانيا وفي استعداء الروس.

وهناك أزمة في إسبانيا، وأخرى في دول شرق أوروبا التي تنزع نحو السياسات الوطنية المنغلقة، كما هو حاصل في بولندا وهنغاريا وبلغاريا وغيرها.

وفي المقابل، نرى أن ما تسمّى الدول الدكتاتورية هي أكثر استقراراً سياسياً. وفي المقابل، أفرزت انتخابات كولومبيا رئاسة اشتراكية يسارية جديدة في الجولة الثانية التي جرت الأسبوع الحالي هناك.
تختلف هذه التناقضات والتحولات عما كان سائداً ثلاثين سنة من هيمنة الفكر الرأسمالي على العالم. فهل نحن أمام مرحلة فوضى عالمية جديدة، تؤدّي إلى تبدّل في المواقع النسبية للدول، أم أن هذا كله مجرد ردّة فعل على أن العالم بحاجة إلى نظام دولي جديد؟
لن ينتهي التضخّم، على الأرجح، بانتهاء الحرب على أوكرانيا، ولكن تراجعا بسيطا قد يحصل في معدلات التضخم. ولكن القضية ليست فقط في تضخّم الأسعار، بل في انتفاخ الأنا وغفلتها عن مدى صعوبة الحلول وتنفيذها.