افاق الاخبارية

بقلم : عوض ضيف الله الملاحمة

الحمد لله ، أنني أعبد الله ، وأستشرف وأُوقِنُ بعظمتهِ بطريقتي الإنسانية ، الفردية ، الشخصية ، البسيطة الخاصة . دون اللجوء الى الدُعاة والمشايخ ، ورجال الدين . ودون ان أُقحم نفسي ، وأُشتت أفكاري ، ويكون التعقيد أقرب لي من إستشراف عظمة الخالق وتجلياته .

بكل بساطة ويسر وسهولة أذهب الى التفكّر في خلق الله ، لإستنباط عظمته ، ورحمته ، وتوالي آلاءه ، وعظيم عطاءه وهباته . قد أتفكر في نفسي وتعقيدات بُنية جسدي الذي يحتوي عشرات ان لم يكن مئات المصانع معقدة التركيب . قد أتفكر لساعات في عِظم عطاء نحلة ، او عصفور . قد أتفكر في المطر ، وليالي السَحر . قد أتفكر في الرياح ، والديكِ اذا صاح في الصباح . قد أتفكر في وردة ولونها وعبقها ورِقتها . وقد أتفكر في زهرة وكيف تنتج ثمرة ، وكيف وهبها رب العزة اللون ، والشكل ، والطعم ، وفصل القشرة عن اللُّب والعِرق الذي يحملها عن رقة محتواها الذي قد يكون سائلاً او طرياً كما الزُبدة .

أجلس في حديقة بيتي وأتفكر في عظمة الخالق ببذرتين متجاورتين تنموان وتتغذيان من نفس التربة ، وأسقيهما من نفس مصدر المياة ، وترى واحدة تُنتج وردة بيضاء ناصعة وبشكل معين جميل وعطر مُبهر ، لا بل خلّاب ، والثانية تُنتج وردة حمراء وبشكل وعطر مختلف عن الأولى ، وعندما أمر بنظري على أحواض الورود ، أرى عشرات الألوان الجميلة ، والتنوعات الكثيرة .

وأنزل الى الحديقة ، فأرى أشجاراً مختلفة في الحجم ، وشكل النمو ، وشكل ولون الأوراق ، وفي وقت الإزهار تجد لكل شجرة زهرة تحمل لونا وشكلاً مختلفاً ، وفي النهاية تحمل ثمراً مختلفاً في الشكل اللون والطعم والرائحة . من أين جاء إختلاف اللون والشكل والعبق والطعم !؟ مع تشابه مصدر الغذاء والماء . أليست عظمة الخالق سبحانه وتعالى !؟

وأحياناً ، أرقب النمل ، فأستشف عظمة الخالق من هذه الحشرة الصغيرة جداً بالحجم ، الغريبة جداً بالإصرار والمثابرة والإجتهاد والتعاون والإيثار وإحتراف العمل الجماعي والتفاني مع الآخرين ، كما لا يصعب عليك ان تكتشف ان هناك تخطيطاً وإستراتيجيات دقيقة ، في تقدير حجم إحتياطي المخزون من الغذاء للشتاء ، وتصميم البيوت الدقيق الذي يراعي هندسة متقدمة في مراعاة التهوية ، وعدم تعفن الغذاء المُخزّن ، ومنع المياة من التسرب لداخل المملكة . كما عرفت ان هناك تصنيفاً عند النمل بان تُنعت نملة بانها كاذبة مثلاً . وقد جرّبت ذلك بنفسي قبل عقود من الزمن في بيت والدي ، حيث كنت أجلس أنا وأهلي على الأرض في حوش الدار ، ووضعت عدة قطع من الطعام تبعد أمتاراً عن الجُحر ، وراقبت نملة وهي تتفحص قطع الطعام ، فوضعتُ علامة بيضاء عليها ، وبعد أن تفحصَت المكان والطعام ذَهبت مُسرعة الى الجُحر ، وتجمّع حولها العديد من النمل ، وهي تقوم بحركات معينة ، وعادت وبرفقتها العديد من النمل ، وقبل وصولها أخفيت قِطع الطعام ، وعندما وصل جمهور النمل لم يجد شيئاً ، وحدث ما يشبه الهرج والمرج ، والنملة تُجهد نفسها بحركات لم أفهمها ، بعدها غادر النمل المكان ، وبقيت النملة التي وضعت عليها علامة تميزها ، وأعدتُ الطعام الى مكانه فقامت بحركات عديدة تعبر عن إنشداهها ربما ، وذهَبتْ مُسرعة للجُحر .. وكررتُ العملية عدت مرات ، وفي المرة الأخيرة مزقها النمل إرباً . وهذا يعني ان عقوبة الكاذب القتل . لو طُبقت هذه العقوبة على البشرية ، لربما بقي من ال ( ٧,٥ ) مليار ، ما لا يزيد عن عدة ملايين خاصة في وطنيّ الصغير والكبير .

لكن التعقيد يزداد عند مراقبة النحلة . فعدا عن ان كل نحلة لديها GPS رباني لتحديد الأماكن والإتجاهات ، وتحديد أماكن تواجد الأزهار لإمتصاص رحيقها ، للعودة اليها ثانية ، إضافة الى تحديد مكان الخلية للتأكد من العودة اليها بعد رحلة العمل الشاقة البعيدة التي قد تصل الى (( ٦ )) أميال في الرحلة الواحدة ، بحثاً عن رحيق الأزهار . ومن عجائب النحل ظاهرة يسميها العلماء (( ظاهرة السُكر عند النحل )) . فبعض النحل يتناول أثناء رحلاته بعض المواد المخدرة ، وهي مادة تَنتج بعد تخمّر بعض الثمار الناضجة تحتوي مادة الإيثانول (( Ethanol )) ، فتلعق النحلة بلسانها جزءاً من هذه المواد ، فتصبح (( سكرانه )) ، تماماً مثل البشر ، عندها تُصبح عدوانية ومؤذية ، وتُفسدُ العسل ، لأنها تُفرغ فيه المواد المُخدرة ، مما يؤدي الى تسمم العسل ، لكن الله عزّ وجلّ يصف العسل بأنه شفاء ، في قوله تعالى (( يُخرِجُ من بطونها شرابٌ مُختلفٌ ألوانه فيه شِفاءٌ للناس )) سورة النحل ( ٦٩ ) . فماذا هيأ الله لهذا العسل ليبقى سليماً ولا يتعرض لأية مواد سامة !؟ أخضع العلماء هذا الموضوع للدراسة ل (( ٣٠ )) عاماً ، وتبين ان في كل خلية نحل هناك نحلات زودها الله بما يشبه (( أجهزة الإنذار )) ، تستطيع معرفة رائحة النحل السكران ، وتُقاتله ، وتُبعده عن الخلية ، وبعد ان تفيق النحلة يُسمح لها بالعودة الى خليتها .

أما الغُراب ، فحدث ولا حرج عن ذكائه ، وقدرته على التصرف ، وإجتراح الحلول للعقبات التي يواجهها . وأعتقد ان الكثيرين شاهدوا فيديو لغراب عطشان ، وكان هناك ماءاً قليلاً في قعر إناء ، لم يتمكن من الوصول اليه ليشرب منه ، فبدأ بالقاء الحصى في الاناء الى ان إرتفع الماء وشرب منه . كما ان للغربان مملكة ، حيث تعيش في مجموعات كبيرة ، ولديها قوانين تتقيد وتلتزم بها المجموعات ، ومن يخالف قيمها يتم قتله وإعدامه .

هل تأمل أحد منكم جمال زهرة الرمان وشكل الحبة الخارجي ، وتداخل الحبيبات المتراصة بين ثنايا اللُّب !؟ هل تأمل أحد منكم تغريد العندليب وعدد الأصوات الموسيقية الجميلة الساحرة التي يُصدرها ، وكيف يُصدرها عصفور صغير !؟ هل شاهدتم زهرة إحدى الأشجار في غابات اندونيسيا التي تتغذى على الحشرات وتُطبق عليها وتمتصها !؟ هل تفكرتم في حيوانات الغاب وحنان الأسد واللبؤة على صغارهما !؟ هل تفكرتم في آلية عمل الدماغ البشري ، وحفظ المعلومات ، وإستذكارها عند الحاجة !؟ هل تفكرتم في الجهاز العصبي ، والدورة الدموية وتفرعاتها ، ودقة الشعيرات الدموية !؟ هل تفكرتم في الحشرات متناهية الصِغر التي لديها اجهزة واعضاء وأحشاء !؟

لله سبحانه وتعالى في خلقه شؤون . لم يخلق شيئاً عبثاً ابداً . وعندما تتفكر وتعقل وتتدبر ولو شيئاً يسيراً جداً من مخلوقاته ، لا تملك الا ان تؤمن به ، وتتأكد بانه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، سبحانه وتعالى . دون فلسفة ، وتفلسف ، وتشتيت ، وتشتت ، ولا قال فلان ، عن فلان ، عن .. عن ، وتضيع القصة مع العنعنة ، ولا تحصل على إجابة واضحة شافية .