افاق الاخبارية

اللجوء السوري .. والعطش .. والعوز الأردني

بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه

أخطأت الدولة الأردنية أيما خطأ ، عندما سمحت بتدفق اللاجئين السوريين ، دون حساب ، ودون قيد او شرط ، وحتى دون فرز لمعرفة من منهم ينتمي لمنظمات إرهابية ، وهي تعرف ان أوضاعنا عامة لا تحتمل هجرات أخرى . فمياهنا شحيحة ، وغذاؤنا مستورد ( وعلى القد ) ، والبطالة تنهشنا ولا فُرص للعمل ، ومُدننا مُكتظة ، وشوارعنا مستهلكة ، ومدارسنا مُنهكة ومزدحمه ، وموازنتنا تعاني من عجز كبير متراكم ، وديوننا فاقت قدراتنا على سداد خدمتها .

بدايات اللجوء السوري ، وفي أوج تدفقه ، بدأت الدولة تَئِنّْ ، والشعب يَزِنّْ ، كنت في جلسة حوارية مع عدد من كبار المسؤولين السابقين ، حول موضوع اللجوء السوري ، وكان أغلب المتحدثين ، يشيدون بتعامل الأردن مع اللاجئين ، ويفتخرون بتعامل جيشنا العربي العروبي مع اللاجئين ، فيستقبلونهم بابتسامة ، ويحمِلونهم على ظهورهم ويقدِّمون لهم الدفء ، والطعام ، والماء ، وينقلونهم بكل عناية وحرص واحترام — وهذا لا شك فيه ، لأن قواتنا المسلحة تجلب للوطن الفخر حيثما تواجدت — ويختمون كلامهم لكنهم حمل ثقيل علينا ، لكننا مجبرون .. الخ . بدأت حديثي ان الدولة الأردنية أخطأت خطأً فادحاً بحقنا عندما تعاملت بهذا التهور ، وليس الكرم . قاطعني أحدهم ، لائماً ومتسائلاً ، اذا كنت تلوم الدولة الأردنية ، هل عندك بديل !؟ فاجأته ، عندما قُلت له نعم ، عندي بديل — ويبدو انه كان يُخطط لإحراجي — متوقعاً ان لا يكون لديّ بديل . قال ما هو : قلت له انا المواطن البسيط الذي لا يملِك تفكير دولة وقدراتها ، لو كنت مسؤولاً ، لرحبّْت في لجوء الأشقاء السوريين ، ولأبقيتهم على الحدود ، داخل الأراضي السورية ، مع فتح بوابات لخدمتهم من الأراضي الأردنية الحدودية مع الشقيقة سوريا ، حتى يبقون داخل أراضي وطنهم ، ولا داعي لأي تدقيق أمني ، وستقوم الدول المانحة بحفر آبار من مخزون وطنهم المائي ، ولتجنبنا تلويث أحد أهم مخزوناتنا الجوفية للمياة في الزعتري ، ومخيم الازرق ، والمخيم الاماراتي .. الخ . تفاجأ الرجل ، واقتنع ، وبعد فترة من الزمن ، إنتهجت الدولة الأردنية ، نفس النهج وطبَّقت نفس فكرتي أنا المواطن البسيط ، لكن بعد أن وقع الضرر الأكبر والأخطر على وطني .

حتى لا يعتقد أحداً أنني قُطري متعصب ، أبداً ، سيُنتزع فكري القومي بعد أن تُنتزع روحي ، وليس قَبلها ، سأموت وأنا قومي النهج ، دون أن أتلون ، او أتَنفّْعْ ، وطنيّ الإنتماء للأردن الحبيب . لكن حتى أكون قومياً صادقاً ، يجب بداية أن أكون إنساناً شريفاً ، واباً عطوفاً ، ووطنياً صادق الإنتماء للأردن ، حتى أكون قومياً واضح ، وصادق الإنتماء لعروبتي .

ومع ذلك ، حدث الخطأ ، وتم ارتكابه ، واستقبلنا ما يقارب ال ( ٢,٥ ) مليون لاجيء سوري . ووعدَت دول العالم المانحة ان تتكفل بكافة التزاماتهم ، مضافاً لها تقديم تعويضات مُجزية للأردن لأنه إستجاب واستضافهم . وربما ان المبالغ كانت مُجزية ، فسال لها لعاب المسؤولين الأردنيين الفاسدين ، الناهبين لكل ما تطاله أياديهم القذرة ، لأنها بالتأكيد تصل الى مليارات الدولارات سنوياً .

وتشتكي دولتنا من عدم وفاء المجتمع الدولي لإلتزاماته تجاه اللجوء السوري ، وانه يكلِّف الخزينة حوالي ( ٣ ) مليارات دينار سنوياً . ومرة يقول المسؤولون الأردنيون ان نسبة وفاء المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه اللجوء السوري تصل الى ( ١٢٪؜ ) واحياناً يقولون اكثر من ذلك ، لكن لا صدق في الإفصاح عن المبالغ ، ولا مصداقية في رواياتهم .

إذا صَحَّ ذلك ، كان يفترض ان تنهج الدولة الأردنية ثلاث خيارات : أولها : ان تهدد بإعادة اللاجئين الى ديارهم ، ولو قسراً ، — مثلما تفعل تركيا وتتعامل مع اوروبا بالتهديد باطلاق المهاجرين اليها . وثانيها : ان تُهدِّد بوقف اي تعاون لإيصال الخدمات اللوجستيه اليهم . والثالث : أن يفي المجتمع الدولي بالتزاماته دون تأخير ، حتى تستقيم الامور .

لكن ما يحدث في الأردن شيء مستغرب جداً . المجتمع الدولي لا يفي بالتزاماته — حسبما يرشح من تصريحات المسؤولين – وكلفوا الخزينة المنهكة الفارغة عشرات المليارات ، وأحدثوا إختلالات عديدة وخطيرة في المجتمع الأردني مثل : إنتشار المخدرات ، والرذيلة ، والجريمة .. الخ . والأوضاع في سوريا مستقرة منذ عدة سنوات ، وفتحنا الحدود معها على مصرعيها ، وتبادلنا السلع والتجارة ، وزيارات المسؤولين ، والمواطنين من القطرين ، واصدرت الدولة السورية عفواً عاماً ، وهي راغبة ومُحفِّزة لعودة مواطنيها ، لا بل تسعى جاهدة لإعادتهم . لكننا نتمسك ببقائهم ، لماذا !؟ أود ان أفهم !؟ في حين أننا عطشى ، وجوعى ، ومنهكة موازنتنا !؟

اللجوء السوري لغز كبير ، يستعصي على الفهم ، فكيف يكون له حل !؟ خاصة ان هناك معطيات عديدة إستجدت تشير الى ان سوريا تتجه الى الإستقرار ، بإستثناء التدخل التركي في الشمال . كما انه تمت الإستجابة لدعوة ملك البلاد أثناء لقاءه بايدن ، وبوتين بان يتم العمل على تغيير سلوك النظام السوري وليس تغييره كنظام . وها هي سوريا ستعود الى عضويتها في الجامعة العربية ، وهذا يؤكد إقرار الدول العربية مجتمعة على إجهاض المعارضة ، كما ان زيارة وزير الخارجية الإماراتي دليل أكيد على البدء الفعلي لعودة العلاقات مع كل دول الخليج العربي ، والإمارات بالأصل أعادت فتح سفارتها منذ زمن . أليس كل ما ذُكر أعلاه مؤشرات على إستقرار سوريا !؟

سؤال هام أتمنى التَفَكُّر فيه لأنني بالتاكيد لن أحصل على إجابة عليه : لماذا نُبقي على اللجوء السوري ونحن عطشى ، وجوعى ، والدول المانحة لم تَصدُق بوعودها — إذا صدقت أقوال كبار مسؤولينا وأنهم لا يخفون علينا مدى التزامهم وانهم لم ينهبوا مساعداتهم . إحساسي الداخلي يقول : ان فساد مسؤولينا قد حوّل اللجوء السوري الى بقرة حلوب تُدِرُّ عليهم مليارات الدولارات ، وليتحمل الوطن النفقات .