آفاق الاخباريه-        احمد ابودلو

ويبدأ السفر والسفر  … لهناك حيث مهابة التاريخ .. وجلالة الصّمت وذاكّرة غير اعتيادية .. لتسافر مع الحضارة منذ الأبجدية الطينية التي حفرت بحروفها حضارتنا وتراثنا الممتد من الصّمت إلى البهاء .

هناك … حيث يمتد طريق الأنبياء الذي يعبر هذه المنطقة المقدسة ويستمر مروراً بنهر الاردن إلى صفصاف إلى بيت هاني عبر الاردن إلى موقع خروبه إلى تل الرامة ” ليفاس ” يقوم هذا الاكتشاف الذي يهز بعظمته اعتقادات كانت سائدة خطاً فتتجه القلوب والعقول معاً إلى حيث يقع مغطس السيد المسيح ، هنا على الضفة الشرقية لنهر الأردن ، هذه الضفة التي بلور هنا الاكتشاف قدسيّتها وأعاد لها حقها التاريخي الذي سلب منها على مدى عدّة قرون …

وهناك حيث المنطقة التي تهوى إليها القلوب المؤمنة الباحثة عن الحقيقة ، نتلمس الأطراف وتنجذب نحوها نعيد إلى الذاكرة ما سمعناه عبر الزمن عن مغطس السيد المسيح بذلك النهر الخالد . وللأماكن الصامتة الساكنة .. يكون للصمت هيبة وجلال .. غير معتاد  هيبة آبدية –  وفي البال صفاء وحنين وتوق للاغتسال من كل عذابات وغبّار السنيين ذاكّرة غير اعتيادية بذلك الجو الصحراوي الملئ بالاشجار البريّة والصفصاف ذو الرائحة الشهية ..

وماذا نحتاج نحن المتعبين غير إغفاءة عينيه  بعض الحلــــم نتــذكر البدايات ولّذتها ونشتاق لرجوعها …؟

هناك – حيث الحروف الأولى – الأبجدية المنقوشة في الذاكّرة – تستنطق الأمكنة والأزمنة .. والنهايات .. وتسألنا من الذي يّرسم البدايات ها نحن نمّر في الطرقات الترابية .. نتعبد في الهياكل الدافئة .. نمسّح غبّارها المتشبث في فيسفيساء الزمن .. ونقراء معاً عذابات الوجّوه التي صنعت التاريخ البدائي – التاريخ الحضاري لهذه الأرض الخيّرة – بعد ما تراكمت عليها جثث السنيين وبالمصادفة ننبش روفاتهّا لتخرج الحضارة التي كانت مدفونة ، وتصبح إشراقة الإنسان والحضارة القادمة .

وهناك من يقول :أن لكل منطقة خصوصيات دينية وأسطورية ، وخصوصية الأردن تكمن في الثقافات العمونية والموآبية والادومية والنبطية وتتآزر كل هذه الخصوصيات الروحية والثقافية في إعطاء هذه المنطقة تنوعاً ثقافياً وروحياً فريداً ، إضافة إلى أن الملاقحة الثقافية بين هذه الأنماط والثقافتين اليونانية والرومانية و سيادة المسحية لاحقاً جعلت من هذه المنطقة ينبوعاً إنسانيا فريداً في العقائد والأديان والأساطير لا يناظرة تراث آية منطقة في العالم ، فقد صهرت هذه المنطقة تراث الجهات الأربع الرافدينية والجزيرية والمصرية والمتوسطية الشمالية في أرفع تكوين ، وأعادت تخليقه  وفق أشكال جديدة وبذلك كانت بؤرة هذه الجهات الأربع ونقطة انصهار ثقافاتها …

دخول المكان : ونعود بالتاريخ قليلاً إلى الوراء حيث العصر البيزنطي وتحديداً إلى وادي الخرارّ الذي لم يفقد يوماً أهميته التاريخية فقد توالى ذكّره في العديد من المصادر التاريخية ، فهناك على أرضيه خارطة فسيفساء مأدبا أطلق عليه أسم صفصاف – وادي يغذيه نبع ماء عذب ، ويقوم فيه تل الخراّر ، ويأتي ذكر هذا الموقع لما كان له من أهمية دينية في بداية الدعوة المسيحية على لسان عدد من الرحالة والمؤرخين الذين حظيوابزيارته .

وبعيد ولادة السيد المسيح في بيت لحم ، واثناء تجواله بين القرى والمدن كان النبي يحي ( يوحنا المعمدان ) الذي كان ناسكاً آنذاك ” لباسه  من وبّر الإبل ، وعلى خصره منطقة من جلد وكان طعامه الجراّد وعسل البّر ” ( متى 3 : 4 ) يمهد الطريق لقدوم السيد المسيح من خلال الدعوة آلية والتبشير به على على الضفاف الشرقية لنهرالاردن ، وتشير التنقيبات الأثرية بأن يوحنا كان مقيماً في منطقة ” بيت عنييا ” الواقعة إلى الشرق من نهر الاردن ” الكفرين ” ومن ضمنها وادي الخراّر الذي يبعد إلى الشرق من نهر الاردن  مسافة أقل من كيلو مترين ، حيث دارت في هذا الوادي أحداث هامة في تاريخ بداية الدعوة المسيحية .

وحيث أن الاعتقاد السائد لدى عامة الناس هو أن السيد المسيح كان قد تعمد في نهر الأردن فقد دأب الحجاج المسيحيون الأوائل على زيارة موقع التعميد على النهر والبحث عن موقع معمودية يوحنا المعمدان ،  ومعمودية السيد المسيح ومحطات طريق الحج المسيحي التي سلكها المؤمنون الأوائل ، وما هي الطرق التي سلكها السيد المسيح أثناء قدومه إلى المنطقة وعودته منه ؟ ولكن السؤال الذي قد يجمع كل تلك الأسئلة السابقة معاً هو أين يوجد مركز انطلاق الدعوة المسيحية إلى كافة أرجاء العالم ؟

فكما نعلم فالحجاج المسيحيين الأوائل القادمين من شتى بقاع العالم لزيارة مدينتي بيت لحم وبيت المقدس لما لهاتين المدينتين من علاقة وثيقة بالأحداث المرتبطة بالسيد المسيح كانوا يتوجهون بعد ذلك إلى أريحا ليعبروا نهر الاردن إلى الضفة الشرقية ، هناك حيث وقف يوحنا المعمدان مردداً والجموع متحشدة حوله ” توبوا لأنه اقترب ملكوت السماوات ” ثم يعمدهم في نهر الاردن إيذاناً ببدء مرحلة الإيمان الحقيقي بعد ذلك ينتقل الحجّاج إلى موقع معمودية السيد المسيح قرب نهاية الوادي المقدس .. وادي الخراّر وبذلك المكان الذي تتدفق أليه مياه نبع وادي الخرار كان ذلك الحدث التاريخي الهام حين قام يوحنا المعمدان بتعميد السيد المسيح حين جاءه طالباً منه أن يعمّد ولكن يوحنا أجابه قائلاً :

” أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي ” فأجــابه يـــسوع قـائـــلاً (( دع الآن فهكذا ينبغي لنا أن نتمم كل بّر )) حينئذ سمح له ” متى 3 : 15 “

واكتشاف المكان الحقيقي لمعمدانية السيد المسيح يثير العديد من التساؤلات لأن التصور العام لتعميد السيد المسيح قد تم في نهر الاردن ، بينما الاكتشافات الجديدة تشير إلى أن مكان التعميد يقع إلى الشرق من نهر الاردن ، وعليه يكون الموقع المكتشف هو الموقع الحقيقي المدعم بالإثباتات والبراهين العلمية ، وأما موقع التعميد الآخر الموازي لمدينة أريحا  فقد أصبح تقليدياً بسبب قربه من مدينة القدس ، ولكن هل هناك ما يؤكد هذه الحقيقة في الكتب المقدسة ؟

ولأهمية الموقع يجب توضيح الأدلة التي تثبت حقيقة المكان وحقيقة الاردن به ، فهناك أدلة دينية وتاريخية وأثرية .. والآيات الواردة في الكتاب المقدس ” الإنجيل ” تؤكد – أن السيد المسيح قد تعمد في الاردن دون الإشارة إلى التحصر “حينئذ جاء يــسوع مـــــن الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه ” ( متى 3 : 13 ) وفي آية أخرى ” وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الاردن ” ( مر قس 1 : 9 ) وتشير الآيات في موقع آخر (( هذا كان في عين عينا عبر الاردن حيث كان يوحنا يعمد )) ( يوحنا 28 : 1 ) .

وكذلك تؤكد الآية ” ومضى إلى عبر الأردن إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد فيه أولاً ومكث هناك ” ( يوحنا 1 : 4 ) أن السيد المسيح قد توجه إلى هذا المكان وانتقال السيد المسيح إلى بيت عينيا حدث شهده الكثيرون ، وهذا واضح من الآية التي تذكر مجيء تلاميذ يوحنا آلية مستفسرين … ” هوذا الذي كان معك في عبر الأردن ” ( يوحنا 3 : 6 )  وهذه دلالة لا شك فيها ، ولقد كانت قوافل الحجاج المسيحين الأوائل تأتي لزيارة بيت عينيا والذي يمثل وادي الخرار مركزه ، حيث كان النبي يحي يبشر بقدوم السيد المسيح ” أن الله يبشرك بيحي مصدقاً بكلمة من الله ” سورة أل العمران : 39 ”  وإلى هذا المكان الذي اعتمد فيه السيد المسيح جاءت أفواج الحجاج والمؤمنين للزيارة والتبرك وأحياناً الإقامة بالقرب منه .

وهكذا فالآيات كلها تشير إلى حقيقة واحدة وهي أن مكان التعميد الذي كان يوحنا يعمد فيه هو بيت عينيا الواقع في الضفة الشرقية لنهر الاردن . أما الأدلة التاريخية فكل المصادر والمراجع التي تناولت تعميد السيد المسيح أكدت أن مكان تعميده كان منطقة الاردن ، واجتهد الكثيرون من علماء الأديان والآثار في تحديد المكان الذي التقى فيه السيد المسيح بالنبي يحي ( يوحنا المعمدان ) ” فطلبوا أيضاًًًًً أن يمسكوه فخرج من أيديهم ومضى أيضاً إلى عبر الأردن إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد فيه أولاً ومكث هناك “

هكذا جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح العاشر الآية “40” فأين هذه المنطقة المسماة عبر الاردن Beyond Jordan والتي ورد ذكرّها في مواضع أخرى باسم بيت هبارا أوبيت عينيها بيت هاني عبر الاردن .

تشير خارطة ( مأدبا الفسيفسائية ) إلى المنطقة الواقعة إلى شرق نهر الاردن حيث مثلث النباتات الطبيعية والحيوانات البّرية وخاصة الغزال  و الأسد  إضافة إلى ينابيع المياه ولا غرابة في أن يطلق على هذه المنطقة أسم صفصاف قبل 1300 عام لتعكس أهمية شجر الصفصاف في صــغ المنطقة باسمه ، وجاءت كتابات الرحالة والمؤرخين القدامى لتؤكد أهمية هذه المنطقة التي يطلق عليها حالياً اسم منطقة الخرار نسبة إلى وادي الخرار الذي تسيل مياه ينابيعه نحو نهر الأردن بين أغصان النباتات والأعشاب وصدى خرير المياه الذي يتردد بين جنبات هذا الوادي .

وقدم لنا الرحالة ” بوردكس ” من القرن الرابع الميلادي الذي زار المنطقة عام 333 م  – أن السيد المسيح كان قد تعمد شرقي نهر الاردن قرب تله متوسطة الارتفاع ولعله بذلك يشير إلى تله الخرار ، وفي مكان آخر يقول .. أن مكان تعميد السيد المسيح مرتبط به وقريب من تل الياس ( تل الخرار ) إلى الشرق من نهر الاردن .

ويؤكد الرحالة ” ثيودوسيوس ” الذي زار الموقع عام 530 م – أن السيد المسيح قد تعمد في الجانب الشرقي من نهر الاردن ، وأن الإمبراطور البيزنطي ” أنستازيزس ” بنى في هذا المكان كنيسة يوحنا المعمدان والتي كانت ترتكز على مجموعة من العقود والأقواس حتى لا تتأثر بفيضان نهر الأردن خلال الشتاء .

ويشير الرحالة الروسي ” دانيال ” عام 1106 م إلى كنيسة صغيرة ذات مذبح تقع على إحدى الروابي في الجانب الشرقي من نهر الاردن على أنها المكان الذي عمد فيه يوحنا سيدنا المسيح .

وفي القرن السابع الميلادي كان هذا الموقع ما يزال يحتفظ بأهميته الدينية إذ يذكر ” جون موسكس ” منطقة صفصاف ” وادي الخرار ” شرقي النهر وأن بطريرك القدس وأسمه مارالياس  والذي حكم في الفترة الواقعة ما بين عامي 494 – 518 م كان قد بنى في منطقة شرقي نهر الاردن ديراً وكنيسة .

وكذلك هناك الاكتشافات الأثرية ، التي تمثلت بنتائج المسوحات والتنقيبات الأثرية الحديثة ، حيث استطاعت الكشف عن العديد من المعالم المعمارية في الموقع مثل الكنائس والمبــاني والمنشــــآت المائية (( الخزانات والبرك والقنوات )) وكهوف الرهبان ، وكذلك التوصل إلى المكان الذي عاش فيه النبي يحي عليه السلام ( يوحنا المعمدان ) في وادي الخرار الواقع ضمن غور الكفرين وتلك المنشآت المكتشفة على تل خرار كبرك التعميد والكنائس تشير إلى أن النبي الياس ( ايليا ) قد عاش في القرب منه ، ومن ثم جاء من بعده النبي يحي ليعيش بالمكان نفسه .

ومن نتائج المسوحات رصد أكثر من إحدى وعشرين موقعاً أثرياً تركزت بصورة أساسية حيث تتواجد مصادر المياه والأراضي الزراعية ، فعكست بذلك عصور  وحقب تاريخية ابتداء من العصر الحجري النحاسي حتى العصر الحديدي .

” هذا كان في بيت عبره في عبر الاردن حيث كان يوحنا يعمد ” يتضح من هذا أن مكان التعميد هو بيت عبره  أو بيت هبارا وفي مواقع أخرى بيت هاني وأحياناً بيت هاني عبر …..  الاردن . فما هو بيت هاني هذا الذي نال شرف تعميد السيد المسيح ؟ أنه وبناء على أعمال المسوحات والتنقيبات الأثرية واستناداً على ما ذكره الرحالة والمؤرخون … قرية تقع إلى الشرق من القدس تعرف بالعيزرية وتبعد عن نهر الاردن مسافة عشرين ميلاً ، وكما تشير خارطة فيسفيساء مأدبا ويؤكد الباحث Finegan أن مكان التعميد يقع إلى القرب من نهر الاردن ، ولذا فبيت هاني يجب أن يكون في منطقة مجاورة للنهر ولعل وادي الخرار هو أنسب مكان لذلك حيث يقوم التل الصغير ”  تل الخرار ” وهذا ليس بالكلام الافتراضي لأن نتائج الاكتشافات الأثرية تبرز أهمية هذه المنطقة وكيف أنها تشكل الحلقة المفقودة في البحث المتواصل حول حياة النبي يحي ( يوحنا المعمدان ) أكثر الناس قرباً وإخلاصا للسيد المسيح ، فلا غرابة أذن ولا استهجان في أن تكون هذه المنطقة في وادي الخرار في بيت هاني عبر الاردن Bethany Beyond Jordan  .

واليوم يعود التاريخ ليحي هذا المكان من جديد ‘ إذ تمهيداً للاحتفالات الدينية للطوائف المسيحية بالذكرى الألفية الثانيه لميلاد السيد المسيح عليه السلام ، قامت وزارة السياحة ودائرة الآثار العامة ببذل الجهود الكثيفة لتطوير منطقة ” المغطس ”  على نهر الاردن ، حيث تعمد السيد المسيح استعداداً للمشاركة في النشاطات المزمع تنفيذها في الموقع .

ويتضح مما سبق أن يوحنا المعمدان كان يمارس شعائر ومراسم التعميد في الجانب الشرقي من نهر الاردن ، ونستطيع القول أن تلك الآيات التي ورد ذكرّها في الكتاب المقدس ، وتلك الملاحظات والإشارات التي دونها الرّحالة والحجاج ممن كانوا يرتادون الموقع  كأحد محطات الحج المسيحي ، إلى جانب ما تؤكده التنقيبات الأثرية وما تقدمه من اكتشافات هامة تؤكد جميعها الحقائق التاريخية التالية : –

  • إن النبي يحي ( يوحنا المعمدان ) كان قد عاش في غور الكفرين ” البّرية ” وفيه التقى بالسيد المسيح وتعمد على يديه.

  • إن موقع المغطس يشكل أحد محطات الحج المسيحي الذي يبدأ من القدس وينتهي في مدينة مأدبا كواحد من تلك المواضع الهامة التي شهدت مرحلة هامة من مراحل حياة السيد المسيح .

هذه هي البداية ، بداية تحمل في أعقابها بشائر المزيد من الاكتشافات ، فطريق الأنبياء الذي عبر منطقتنا هذه خصّها بما لم يخصّ به سواها من القداسة ، وأودعها روح العراقة لترقد بين جنباتها ، وأسفرت التنقيبات إضافة إلى المغطّس موضوع الساعة إلى مواقع أخرى مثل تل مارالياس أو جبل مارالياس أو تل حرمون ، والخرار الجنوبي ، وكنيسة الزرو ومنطقة الكهوف وموقع خروبة .

وكانت النتائج مبشرة بالاكتشافات التي أمكن الوصول إليها ، وأكدت أعمال التنقيبات التي قامت بها كوادر دائرة الآثار أن موقع المغطّس ذو أهمية كبرى وأن الدور الحضاري الذي اضطلع به سوف يكون له الأثر في إعادة كتابة تاريخ المنطقة .

وتبقى الصورة هي الأقوى والأكثر تعبيراً مهما كانت القدرة على الكتابة والوصف ، فالصور هي لغة كونية محرّرة لوعي الإنسان ، ومهددة له بنفس الوقت ، ونبقى عاجزين عن الوصف فالصورة أبلغ وأجمل فإلى هناك …؟