اذرح .. مدنية التحكيم   والتاريخ  التليد .. ؟

                                                                                        آفاق – احمد ابودلو

                                                                                                                                             

.. هذا  كتاب  من محمد  النبي  لاهل اذرح  ،  انهم آمنون  بأمان  الله   ومحمد ،  وان عليهم    مائة دينار  في  كل رجب  وافية طيبة  ،  والله كفيل   بالنصح  والاحسان   للمسلمين  ،  ومن لجأ  اليهم من المسلمين  من  المخافة  والتعزيز  اذا خشوا على  المسلمين  ، وهم    آمنون حتى يحدث اليهم محمد  قبل خروجة   .                                                                                      

     اذرح من المواقع  الحصينة  التي اشتهرت في  تاريخ المعارك  التي دارت  رحاها على  ارض الاردن في  الازمنة القديمة ،  وكان الجيش  الروماني اسبق  الجيوش  التي عززت  هذا  الموقع  الحصين  بتشيد  قلعة كبيرة سنة 106 م  ،  وفي عهد الغساسنة  شيد الملك حارث  بن جبله  الشهير   بالحارث  الاعرج  سنة 529م  بلدة كبيرة في هذا الموقع  مستغلا  جماله  وغزارة  مياهه وخصوبة تربته .

  الاسم و الموقع :

 واذرح  تفسر    في اللغة  على انها جمع  ذريح  ،  وجمعها   اذرح  والذرائح  هضاب  تنبسط  على الارض  ، وهذا التفسير  ينطبق  على  جغرافية   المكان   حيث تحيط بها سهول خصبة مترامية  الاطراف .

وتقع هذه المدينة  بين معان  ووادي  موسى  ، وهي من اعمال الشراة   بنواحي  البلقاء  المجاورة لارض الحجاز   ، وتبعد عن الجرباء  نحو ميل  وقد كانت  اذرح محطا للقوافل   القرشية  التي امت  سوريا  ايام الرسول  علية  السلام .  ولعبت   اذرح دورا  مهما  في زمن الروما ن  اذ  جعلوها مخيما ومركزا  للمواصلات مع البحر الاحمر   ، كما انها غنية  بمياهها  في تلك البقاع   الجرداء  ووريثة  بتراء  في اجتذابها   القوافل   حيث  مرورها الى  شرق الاردن  ، وخسرت المدينة  مركزها  التجاري   حيث  الفتح الاسلامي  وكان لمدنية معان  النصيب   الاوفر  في النمو والازدهار . .  وتبعد  اذرح  عن معان  25كم وتقع فوق  مرتفع  عال  تحيط به سهول واسعة  غنية  بينابيعها  العذبة .

  المكان  والتاريخ :

 يروي  في كتب التاريخ  انه  لما نزل  الرسول (ص)  تبوك  عام  630م  اتاه  ممثلون عن اذرح  والجرباء   يعرضون خضوعهم   فقبل علية  الصلاة و السلام   ان  يدفع  اهل  اذرح  مئة  دينار   في  كل رجب   وصالح اهل  الجرباء   على الجزية   ، وكتب  لهم  كتابا هذا  نصه :  باسم  الله الرحمن الرحيم …  هذا  كتاب  من محمد  النبي  لاهل اذرح  والجرباء   ، انكم   امنون   بآمان  الله  وامان محمد  وان عليهم  مئة دينار  في كل رجب  وافية   طيبة والله كفيل  بالنصح  والاحسان  الى المسلمين.

 و في صدر الفتوحات الاسلامية  دخلت  جيوش المسلمين  اذرح   التي استولى  عليها  الاتراك العثمانيون  وبقيت  في حوزتهم  حتى  حررها الامير فيصل  الاول  ملك العراق  سنة 1918م  .و بعد  معركة  دامية دارت  رحاها  في منطقة  ابي اللسن .

 ومن الذكريات  التاريخية  الخالدة  عن اذرح ان النبي (صلعم)  عندما بلغه  اندحار   جيوش الرومان في تبوك  وانسحابهم  منها وما  اصاب الرومان من  خوف   وجزع لم  ير مجال   لتتبعهم  ولكنه  اقام  في تبوك  وبعث برسالة الى  يوحنا بن  رؤبة  صاحب  ايلة  ( العقبة )  احد الامراء   المقيمين  على الحدود   وامرة  ان يذعن  او يغزوه  فاقبل   يوحنا  وتقدم   بالطاعة  وصالح  محمدا  واعطاه الجزية   كما  صالحه  اهل  اذرح  واعطوه الجزية  وايذانا بالموافقة   اهدى  النبي (صلعم)   الى يوحنا  رداء  من نسج   اليمن   واحاطة بكل  صنوف الرعاية .  .

 وحتى   القرن  الخامس الهجري  كان اهل اذرح  يحتفظون  ببردة  الرسول   وبهذا الامان  المكتوب على جلد . ويحفظ اهالي  وادي موسى   حكاية مفادها : ان  يهود  مقنا قرب الكرك  واذرح  والجرباء  نزحوا الى  الجبال  واعلنوا  اسلامهم على  قمة  ام البيارة  التي  تشرف  على البتراء  وتعهدوا  ان  يتولوا  حراسة  حدود  ديار  الاسلام  بالتبادل   فعرفوا  بالابدال التي حرفت  الى البدول  وهم العشيرة التي تقطن  حاليا بين اثار  البتراء .

   وبين  اذرح  والجرباء  يرتفع   جبل الاشعري  او جبل   التحكيم  ، تلك القصة   التي اشتهرت   بها اذرح  في  التاريخ العربي   ففي  تلك  المنطقة جرى التحكيم  بين علي بن ابي  طالب   وبين معاوية  بن ابي  سفيان  حاكم  بلاد الشام   الذي  تنكر لخلافة علي  المتهم  بمقتل  الخليفة عثمان ، وعندما   اشتد  الخلاف   بينهما  ارسل معاوبة جيشا  بقيادة عمرو بن العاص   ، فالتقى بجيش علي  في السهل   الواقع   قرب  صفين  في شمال  سوربا   سنة  607م  وعندما   شعر عمرو بن العاص  بالهزيمة امر  برفع المصاحف  على اسنة الرماح  فتوقف  القتال ووافق علي ومعاوية  على التحكيم  . فاختار  الاول   ابا موسى الاشعري   والثاني  عمرو  بن العاص  ، وتم  الاتفاق   بينهما  على ان يكون اللقاء  في اذرح  لانه  مكان  يتوسط  الشام   والعراق ،  وفي  شهر  كانون  الثاني  659م  تم اللقاء  وكانت  نتيجة التحكيم  بعد مراوغات عمرو  بن العاص  مع ابي موسى الاشعري  ان  عليا  اغتصب  الخلافة  فلاحق  له عليها ، وفعلا  تولى   معاوية  الخلافة   بعد  ان  طعن  احد انصاره   وهو عبدالرحن  بن  ملجم  عليا  بخنجر  وهو يصلي   في  مسجد  الكوفة  فقضى  علية وكان   ذلك   في 24 كانون الثاني  سنة 661م.

 وفي اذرح  بايع الحسن بن علي  معاوية   بن ابي سفيان  واعطاه   معاوية مئة   الف  دينار  وباذرح  اقام  علي بن عبدالله  بن عباس  ثم  اعتزلها  ونزل الحميمة  التي اقطعها الى الوليد بن عبد الملك  وبنى فيها  قصرا .

  وبقيت  اذرح اهلة  بالسكان  حتى  عصر المماليك  الذين بنوا فيها الخان   ليكون  محطة  الحجاج  المسلمين  عندما كانوا  يسلكون   الطريق   الرومانية القديمة ،   وفي الحكم  العثماني    دخلت اذرح   في  طيات النسيان   والاهمال  وانتابها  الزلازل  وعمتها  الفوضى  حتى عام  1918م  عندما احتلتها  جيوش   فيصل  الاول احد  اعلام  الثورة  العربية الكبرى  بعد  هزيمة الاتراك   في  معركة ابي  اللسن  واستمرت  تابعة  مع   معان والعقبة  الى حكومة  الحجاز  حتى سنة  1924م  حيث  انضمت الى  امارة  شرق الاردن .

و تشاهد فيها   العديد  من المواقع  التاريخية  والاثرية ،   فهناك  الهضاب  المنبسطة   والسهول المترامية  الاطراف ، وبقايا المعسكر الروماني ،  وقلعة اذرح  العثمانية   بجوار السور الشمالي  للمعسكر الروماني  وهي ذات  بناء   شبه مستطيل  وحجارتها  جيرية مشذبة  ،  اضافة الى جبل الاشعري  او جبل التحكيم .

 وفي عام 1845م زارها الرّحالة الفنلندي جورج أغست فالين وقال عنها :

وصلنا الى عين اسمها ((أذرح )) مياهها الغزيرة تتجمع في حوض سفح تلة ، تربتها غنية مخضرة، وفي قمتها برج قديم مستدير وتحته برج آخر مربع الجوانب ونصف منهدم ، ومقابل التلة ، وعلى الضفة الآخرى من الحوض الذي يحاكي بحيرة صغيرة آثار كثيرة  لقلعة قديمة محصنة يحيط بها سور رباعي الشكل ، والسور معمر بحجارة كبيرة منحوتة قطعت من صخور جيرية من الجبال المحيطة بالمكان ولا يزال في حال حسن .

 واليوم هي بلد   تابعة  الى  محافظة معان    وتتوفر فيها  الخدمات  الضرورية ،  ويعمل   سكانها  بالزراعة فهذه  دعوة منا لزيارتها   اثارها  ومعالمها  التاريخية  ولقرأة    صفحات  الماضي  العريق  لعل  وعسى  ان نسترجع  بعض ما كان لامتنا الاسلامية …؟