افاق الاخبارية

بقلم عمر العساف

.. ومما يبعث على القلق ويقضّ المضاجع، أن ترى الناس غير عابئة، ولا تلقي بالاً إلى كلّ ما يُطرَّز ويُدبَّج من أحاديث وتصريحات عن الإصلاح وضرورته التي لا تحتمل التأخير، وما يرونه من دعوات وتحركات للحوار، و”استعراضات”.
ومبعث القلق ليس أن الناس لا تريد الإصلاح، وإنما لأنها كلّت وملّت وسئمت من سماع مثل هذه الدعوات، من ذات الجهات، التي يوقِن الجميع أنها هي التي تمنع الإصلاح وتضع العراقيل أمامه، وتظن أنها بدعواتها هذه تستغبيهم وهم لما تحيك واعون.
هذه الجهات، وأقصد السلطة، بمختلف مراكزها، وحتى أولئك الذين كانوا فيها ويجهَدون لإعادة إنتاج أنفسهم في لَبوسِ المعارضة، لا تدري أن الناس قد فاض بهم الكيل، وأنهم لا يثقون البتة بها، وأنّ لا مبالاتِهم الظاهرة تنبع من اليأس الذي لا يتلوه إلا الانفجار، وهنا مكمن الخطر..
الأدهى، أن الناس لاحظت، وتلاحظ، أن كل تلك الدعوات المحمومة لضرورة إجراء الإصلاحات، لا تأتي من السلطة، إلا عندما تحدث الأزْمات، وأن الباعث عليها هو تنفيس الأزمة فقط، وأن الإصلاح ليس شِرعةً عندها ولا منهاجاُ..
أي أنها، والسلطة أعني، تتعامل مع الأزمات بالقطعة، وبالقدر الذي يكافىء تلك الأزمة، غير مدركة أن هناك تراكمات تعتمل في الصدور، وأن الصمت يغلِّف كل الحديث الذي يمكن أن يُحكى، وأن سياسة تكميم الأفواه، وإن أثمرت، فإلى حين، ثم تنفجر الأفواه بركاناً من غضب.
وهي، وإن اضطرت، في بعض الأحايين، إلى إحداث إصلاحات “مبتورة”، سرعان ما تنقلب عليها وتئِدها متى أحست بأن الاحتقانات قد خمدت، وكأنها تأخذ الناس “على قدّ عقولهم”.
ربما يصبر الناس على الظلم، والتجويع والإفقار، وانعدام العدالة والمساواة، والفساد والإفساد. لكنّ ما لا يحتملونه أو يطيقونه هو استغباؤهم، والاستهانةَ بعقولهم، التي بها ميّز الله الإنسان عن سائر المخلوقات.
فإلى أين يأخذُنا أولئك بأراجيفِهم؟ وإلى أيّ مُنعرَجٍ يعرجون بالوطن؟
إلى متى يراهنون على صبر الأردنيين؟ الذين ضاق الصبر بهم ذرعاً..
متى يفهمون أنّ خوفَ الأردنيين على بلادهم وعلى دولتهم، له حدودٌ يجب ألّا تُختّبَر أكثر مما اختُبِر؟
نعم، كل الأردنيين يريدون إصلاحاً.. ولكن.. إصلاحاً حقيقياً وجذرياً ومرة واحدة. واتركونا من “سولافة التدرُّج” في الإصلاح التي صارت مدعاة للبكاء.
ويريدون إصلاحاً يؤتي أُكُلَه كل حين، لكنّهم حين يرون أن أسباب المشكلة هم الذين يوكل إليهم حلّها، يدركون ساعتئذ أن القصة “جعجعة لا طِحن فيها”.
أما من يقول “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”، ويرفعها شعاراً زائفاً ليصل إلى قبة البرلمان، أو مجلس “الحكماء” أو كرسيّ الوزارة؛ ثمّ إذا نالوا بُغْيَتَهُم رأيتهم “يصُدّونَ عنك صُدودا”، لينغمسوا في الفساد والإفساد وجمع “القناطير المقنطرة من الذهب والفضة”.. فـ”إذا قيل لهم لا تُفسِدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون”.
 فكيف يصدّق عاقل أن مثل أولئك يريدون الإصلاح، أو يقدرون عليه؟ وهم العِلَّة!
الإصلاح، يلزمه الإرادة، الصادقة، وللأسف، وهي منتفية، أو لنقل مُغيّبة. وإذا كانت هذه هي الأدوات، التي خبِرناها وعرفناها ونعرف تاريخها، فيما المصلحون الحقيقيون، يُضَيَّق عليهم، ويؤخذون ويُقعَد لهم كلّ مرصد، عندها “أبشر بطول سلامةٍ يا مِربَعُ”.
وعندها فقط، سيوقن كلُّ عاقلٍ أنهم إنما يبيعوننا وَهما على وهم..
المشكلة أننا لا نملك ترف الوقت، ولا القدرة على التحمل أكثر..
فمَن يطرق جدار الخزّان؟؟