منبر الكلمة

نصير يكتب … هل يدفع الأردنيون ثمن أخطاء إدارة الضمان؟ أم أن الحقيقة أكبر مما يُقال؟

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

عندما يُطرح تعديل قانون الضمان الاجتماعي تحت عنوان “الإنقاذ”، فإن أول ما يُطرح ليس مادة قانونية بقدر ما يُطرح سؤال ثقة.

فالضمان الاجتماعي ليس رقماً في موازنة، وليس صندوقاً مالياً عادياً يمكن التعامل معه بلغة الجداول والأرقام فقط، بل هو حصيلة أعمار اقتُطعت شهراً بعد شهر من رواتب الأردنيين باسم الأمان والاستقرار ، هو عقد أخلاقي غير مكتوب بين الدولة والمواطن، يدفع فيه المواطن من جهده وحياته مقابل وعدٍ بمستقبلٍ أكثر طمأنينة.

اليوم يُطلب من المواطن أن يعمل سنوات إضافية، وأن يؤجل تقاعده، وأن يعيد ترتيب مستقبله من جديد تحت مبرر الحفاظ على استدامة الصندوق ، لكن قبل أن يُعاد رسم حياة الناس وخططهم التي بُنيت على قوانين نافذة لسنوات طويلة، هناك سؤال لا يمكن القفز عنه: هل المشكلة فعلاً في المشترك، أم أن جذور الخلل أعمق من ذلك بكثير؟

الشارع الأردني لا يتحدث فقط عن التقاعد المبكر، بل يتحدث عن رواتب تقاعدية مرتفعة مُنحت في مراحل معينة، وعن نسب كبيرة من أموال الضمان أُقرضت للحكومات، وعن استثمارات دخلت في مشاريع لم تحقق العائد المأمول، وعن إدارة مالية لم تُعرض تفاصيل قراراتها كاملة أمام الرأي العام بشفافية مطلقة.

هذه ليست شعارات غضب عابرة، بل تساؤلات تتردد في كل بيت، وتُطرح بهدوء وقلق في آنٍ معاً.

إذا كان الصندوق يواجه تحديات حقيقية، فالإصلاح لا يبدأ بتحميل الحلقة الأضعف الكلفة، الإصلاح يبدأ بكشف الأرقام كاملة، وبتفسير القرارات السابقة، وبتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن أي خطأ إن وُجد.

فالضمان ملك للمشتركين، لا لأي إدارة عابرة، وأمواله ليست مساحة تجريب سياسي أو مالي.

المواطن لا يرفض الإصلاح ولا يرفض الاستدامة، لكنه يرفض أن يكون هو وحده من يُطلب منه أن يدفع الثمن، فيما تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة واضحة.

مجلس النواب اليوم أمام لحظة لا تحتمل المجاملة ولا الحسابات الضيقة.

القرار الذي سيُتخذ لن يكون تصويتاً تقنياً على مواد قانونية فحسب، بل شهادة موقف أمام الناس، النواب لم يُنتخبوا لتمرير القوانين كما هي، بل لتمحيصها، ومساءلة الحكومة، وطلب كشف كامل للحقيقة قبل تحميل المواطنين أي كلفة جديدة.

إن أي موافقة من مجلس النواب دون مراجعة شاملة وشفافة لملف الاستثمارات، وسياسات الإقراض، وإدارة الصندوق خلال السنوات الماضية، ستُقرأ في الشارع على أنها تخلٍ عن الدور الرقابي الذي أُنيط بالمجلس.

هذه لحظة اختبار حقيقي؛ إما أن يكون مجلس النواب حارساً لأموال المشتركين، أو أن يكتفي بدور العابر بين الحكومات والناس.

الملف ليس مالياً فقط، بل أخلاقي أيضاً، فلا يجوز أن يُعاد تعريف المستقبل المهني لجيل كامل قبل أن يُفتح ملف الماضي بشفافية كاملة.

الضمان الاجتماعي هو خط الأمان الأخير، وخط الأمان لا يُدار بمنطق التخويف، بل بمنطق المكاشفة والمساءلة الصريحة.

والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الجميع: هل نصلح الخلل من جذوره، أم نعيد توزيع كلفته على من دفعوا أعمارهم سلفاً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى