منبر الكلمة

«نائب سابق»… حين يتكلم ما بعد القبة

 

عدنان نصّار

في زمنٍ يتقدّم فيه الصخب على الفكرة، ويُقاس فيه الحضور الإعلامي بحدة التصريح لا بعمق المعنى، يجيء برنامج «نائب سابق» من إنتاج آفاق نيوز  ، وتقديم الزميل الإعلامي خلدون نصير كاستثناءٍ هادئ في المشهد الإعلامي السياسي. برنامج لا يلهث خلف العناوين الساخنة، ولا يسعى إلى افتعال المواجهة، بل يراهن على ما هو أبقى: التجربة، وما تبقّى منها بعد أن تنتهي الولاية ويُطوى ملف المنصب.

البرنامج، الذي يتخذ من البودكاست المرئي قالبًا له، ينطلق من سؤال بسيط في شكله، عميق في مضمونه: ماذا يقول النائب حين يصبح «سابقًا»؟ وكيف ينظر إلى ما جرى تحت القبة بعد أن يبتعد خطوة عن دائرة القرار والضغوط؟ هذه المسافة الزمنية والنفسية تمنح الضيف هامشًا أوسع للحديث، وتمنح المشاهد فرصة نادرة لسماع السياسة بلا مكياج.

في «نائب سابق» لا يبدو الضيوف في موقع الدفاع عن الذات، ولا في موقع جلدها. بل يظهرون كأشخاص خاضوا تجربة السلطة من أحد أبوابها، وخرجوا منها محمّلين بأسئلة أكثر من الإجابات. هنا تتقدّم الحكاية الإنسانية للتجربة النيابية على الخطاب السياسي الجاف، وتتحوّل الجلسة الحوارية إلى مساحة مراجعة هادئة، لا تخلو من الاعتراف بالحدود، ولا تدّعي البطولة المتأخرة.

أحد أبرز عناصر قوة البرنامج يتمثل في أسلوب إدارته للحوار. فغياب المقاطعات الحادة، وتجنّب الأسئلة الاستفزازية، يمنح الحديث إيقاعًا طبيعيًا، يسمح للأفكار أن تتشكّل على مهل. لا يبحث البرنامج عن جملة قابلة للاقتطاع، بل عن مسار كامل للفكرة، وهو ما يعيد الاعتبار لفكرة الإعلام بوصفه أداة فهم لا أداة تحريض.

مع ذلك، لا يعني هذا الاكتفاء بالشكل الهادئ. فالبرنامج يملك فرصة أكبر لتعميق أثره، من خلال ربط الشهادات الفردية بالبنية العامة للعمل النيابي، وتفكيك العلاقة بين النائب والمؤسسة، وبين الإرادة الفردية والقيود السياسية والتشريعية. كما أن تنويع الضيوف من حيث المدارس السياسية والتجارب النيابية سيمنح المحتوى تعددية أوسع، ويجعل النقاش أكثر ثراءً وتمثيلًا.

ورغم هذه الملاحظات، ينجح «نائب سابق» في أن يقدّم نفسه كمساحة نادرة للتفكير السياسي خارج الإطار الرسمي. برنامج لا يَعِد بكشف الأسرار، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يفتح نافذة هادئة لما بعد الضجيج، حيث يمكن للسياسة أن تُروى كما عُيشت، لا كما أُريد لها أن تُقال.

في المحصلة، يثبت «نائب سابق» أن الإعلام السياسي لا يحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع ليكون مؤثرًا، بل إلى سؤال صادق، ومساحة إصغاء، وجرأة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للسلطة، بعد أن تسقط عنها صفة «الحالي» ويبقى أثرها في الذاكرة العامة..

إضافة إعلامية فيها من الإستثناء ،ما يكفي لأن نعيد نتاج قواعد الحوار بأسلوب يبتعد عن الصخب ،ويقترب من الهدوء لنبش التجربة البرلمانية بعيدا عن الضغوط أو التحالفات التي ربما تفرمل إجابة الضيف وتعيق مفرداته.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى