من بيدر القمح الى “تيك آوي” ..كيف أرغمتنا الحداثة على ترك الأصالة .؟

عدنان نصار
أمي أمضت أكثر من ربع قرن ، وهي ترافق ابي الى بيدر القمح ، تسانده ، تعاونه ، ترفع حمل القمح لتوازنه على ظهر أبي ، الذي يمضي الى الجهة الأخرى من الأرض لتخزين المحصول .
في سياق المشهد ، أتذكر كيف كانت أمي تعقد “البكجة” وهو إصطلاح لجمع الأشياء من مثل الإصطلاح الحديث “بكج” ..كانت تضع المستلزمات الضرورية ، وهي على أية حال ، لم تتجاوز الخبز وحبات البندورة ولبن ، وقليل من السمن البلدي ، اما الشاي المعتق المغلي على الحطب ، فهذه وظيفة أبي الذي يتقنها جيدا في وقت الراحة قبل الظهر بقليل ..
الحداثة ، بكل جودتها اورثت عند فئة لا بأس بها من الجيل الخامس من الناس رداءة في الذاكرة ، وربما عدميتها لطالما أن الحداثة بكل تبعاتها ساندت بعملية الإطاحة بالموروث ، وساهمت بمسخ الذاكرة وإقتصارها على “الببجي” وأشياء من هذا القبيل ، وأن ظهرت دلالات على التمسك بالموروث فهو ليس أكثر من إلتقاط صورة “سلفي” مع إحراءات طفيفة على الفوتوشوب لتبدو الصورة أكثر جمالا ..!
أبدا ؛ لم يتوقع الجيلين الثالث والرابع ليس محليا فقط بل عربيا أيضا ،أن تصل الحداثة الى هذا المستوى من إنتاج المسخ في كثير من تفاصيل يومياتنا يعجز عن تجميليها الفوتو شوب ، أو الإجابة عن سيرتها برامج الذكاء الإصطناعي ..، أبدا ،لم نتوقع حدوث هذا في وقت كنا نظن فيه أن “القادم أجمل” .
صحيح أن الحداثة مطلوبة ، وهي ضرورة لمواكبة العالم ، والتقدم والمعرفة والعلم والثقافة وما يقع في فلك الإنسانية من تصورات شاملة خدمتها الحداثة ، وطورتها التكنولوجيا ، وهي لا غنى عنها مطلقا تحت أي مبرر أو سبب كان ..غير أن الجذور والأصول والموروث أيضا لها حق على الجيل الخامس ، ويستوجب أن يكون لها حصة كبيرة في ثقافتنا وسلوكنا للحفاظ على هوية ثقافية تسعى الحداثة لتغييبها وربما إسقاطها لتصبح في طي النسيان ..فهل ينجح جنرال الحداثة الإطاحة بإمبراطورية الموروث محليا وعربيا .؟! لا نعلم تماما الى أين الأمور تسير ، وأي منحنى تمضي إليه الذاكرة الشعبية عند الجيل الخامس .؟
في سيرة ومسيرة الذاكرة ، كانت أبنة الجيران في حيينا العتيق وسط اربد القديمة ، تفتح نافذة البيت الخشبية ، التي يميل لونها الى الأخضر الفاتح ، ثمة صوت جميل لأغنية عاطفية يجيء من نافذة البيت ، ونحن نعبر الطريق للراحلة فايزة أحمد:”يمه القمر ع.الباب وخبط وقال يا حباب ردوا على الخطار ..” كنا نبطيء المشي لنسمع أكثر مع إبتسامة خفيفة تتسم بالرزانة ، وحركة توحي بالتحية المؤدبة لإبنة الجيران ..، فيما كان وقت الغروب يمنح الحي اكثر من معنى ، وأعمق من قيمة نبيلة ..وفي سياق المشهد ذاته ، وإستنهاض الذاكرة الشعبية ، هناك من يقدم حكايات بلغة سردية يتناوب عليها رجال من الحي العتيق في المدينة القديمة ..، فيما يجلس نساء يحملن رتبة الأمهات على مصطبة البيت المحاذ لشارع الملك فيصل الثاني وسط اربد ، يتجاذبن الحديث ، الذي يخلو من المبالغة ..فهن على أية حال بارعات في الصدق ، وأمينات على أسرار الحي .
راهنا ، كل شيء صار يخلو من الدسم ، فالحداثة التي دست السم في ذاكرة الجيل الحديث ، لم تترك لهذا الجيل مساحة لصنع جزء من الذاكرة المستوحاة من الموروث الذي يحاكي الأصالة ..حتى العدس أصبح “تيك آوي” وسهرة المساء تقتصر على “خلويات مجتمعة” دون أي قيمة للحوار ..حوار الناس مع بعضها ، أي حداثو تلك التي صنعت الإحساس بالغربة بين أهل الدار الواحدة .؟!
شخصيا ، أحترم الحداثة ، وأقدر خدماتها وضرورتها ، غير أن البشرية جمعاء اصبحت رهينة لهذه الحداثة التي سلبت تفاصيل جميلة في حياتنا ، وعملت على الإطاحة بها ، حتى أصبحنا أسرى لها ، وربما مختطفين ، نسعى الى من يحررنا .! فهل نعلم الإجيال خلق التوازات بين الضرورة التقنية والحداثة ، والموروث وضرورة ديمومة ذاكرته ، وصناعته كي لا يصبح الموروث مجرد لوحة يلتقط معها الجيل الحديث صورة عابرة .!



