منبر الكلمة

د. شهاب المكاحله: صفقة ترامب في غزة: بين القبول المشروط وتدوير كرة النار

د. شهاب المكاحله

في أقل من 48 ساعة، تحوّل ملف غزة وصفقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حالة جمود إلى واحدة من أكثر اللحظات السياسية سخونة منذ اندلاع الحرب. الحركة الفلسطينية أعلنت، ببيان مقتضب لكنه بالغ الأهمية، موافقتها على خطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في القطاع، لكن بشروط وتعديلات تضع كل الأطراف أمام امتحان حقيقي.

البيان الصادر من غزة حمل مزيجاً من الموافقة والمناورة: إطلاق جميع الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة وفق صيغة التبادل، وتسليم إدارة القطاع لحكومة تكنوقراط مستقلة يتم التوافق عليها وطنياً بدعم عربي وإسلامي. لكن البيان لم يتطرق لتسليم السلاح أو تدمير الأنفاق، ولم يذكر تفاصيل عن وجود قوات عربية في الداخل، وهي نقاط مركزية في مقترح ترامب. هذا الصمت يترك الباب مفتوحاً لتفاوضات إضافية ويؤكد أن الحركة لا تريد أن تتحمل وحدها مسؤولية الرفض أمام العالم، بل تحاول تمرير الكرة إلى ملعب واشنطن.

اللافت أن الوسطاء الإقليميين – قطر ومصر تحديداً – سارعوا للترحيب بالبيان. وزارة الخارجية القطرية أعلنت دعمها الكامل للخطة والعمل مع شركائها لتيسير عملية إطلاق الأسرى. حتى مصر أصدرت بياناً نادراً يعبر عن تقديرها لموقف الحركة وحرصها على حقن الدماء. وفي المقابل، نشر الرئيس ترامب نص البيان على حسابه في منصته “تروث سوشيال” وأعلن عبر البيت الأبيض أنه سيرد رسمياً على موافقة الحركة، وسط توقعات بأن يطلب وقفاً فورياً لإطلاق النار. وبالفعل، بعد دقائق، ظهرت عواجل إعلامية تؤكد أن ترامب طلب من الكيان وقف القصف فوراً لتأمين عملية إخراج الأسرى.

هذه التطورات المتسارعة تفتح الباب أمام ليلة سياسية استثنائية قد تحمل نهاية لحرب طاحنة طال أمدها، لكن الحذر يبقى سيد الموقف. الحركة لم تسلّم أوراقها كاملة، وترامب يلوّح بمهلة حتى السادس من أكتوبر لاتخاذ قرارات مصيرية. ما يحدث الآن أقرب إلى قلب الطاولة على الجميع، وليس إلى اتفاق نهائي بالمعنى التقليدي.

وعلى الضفة الأخرى من العالم، تتصاعد مؤشرات توتر غير مسبوقة بين الناتو وروسيا: طائرات مسيّرة غامضة تخترق المجال الجوي الأوروبي، تصريحات بوتين عن “نمر الورق” رداً على سخرية ترامب، وحاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” في المتوسط وسط تكهنات بمسارها المقبل. حتى سويسرا المحايدة بدأت تسعى لشراء منظومات دفاع جوي على عجل، في مشهد يشي بأن العالم بأسره يقف على صفيح ساخن، لا مجرد الشرق الأوسط وحده.

ما يجري اليوم ليس مجرد مناورة سياسية بل لحظة كاشفة: هل يمكن تحويل هذا القبول المشروط إلى اتفاق حقيقي يوقف الحرب ويبدأ إعادة الإعمار؟ أم أننا أمام استراحة مؤقتة قبل انفجار جديد في الشرق الأوسط وربما أبعد من ذلك؟

الكرة الآن في ملعب واشنطن وتل أبيب. الحركة ألقت أهم ورقة كانت تمتلكها – ملف الأسرى – بيد الوسطاء، وأظهرت استعدادها للخروج من السلطة لصالح حكومة تكنوقراط. أما ترامب، الذي يسعى لصناعة “صفقة القرن” بطريقته، فسيجد نفسه بين خيارين: استثمار هذا الزخم لإنهاء الحرب أو الانزلاق إلى مزيد من التصعيد إذا فشلت التفاصيل.

في نهاية المطاف، تبقى حقيقة واحدة راسخة: العالم يتغير بوتيرة متسارعة وبشكل دراماتيكي، ولا أحد يستطيع التنبؤ بدقة بالمشهد القادم. قد تكون هذه الليلة بداية نهاية الحرب في غزة، أو بداية فصل جديد أكثر خطورة في لعبة الأمم.

كاتب اردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى