QFEX 2026
عربي و دولي

خطأ حوّل أسطول إسبانيا إلى مقبرة عائمة.. وقتل 1700 بحار

اَفاق نيوز – في أواخر يونيو (حزيران) 1798، دخلت أوروبا مرحلة جديدة من الحروب بعد تجدد المواجهة بين فرنسا الجمهورية والقوى الأوروبية. وكانت فرنسا قد خرجت قبل سنوات قليلة من الثورة التي أطاحت بالملك لويس السادس عشر وأعلنت قيام الجمهورية، ما دفع عدداً من الدول الأوروبية إلى تشكيل تحالف لمواجهتها.

فيما ضم هذا التحالف بريطانيا وروسيا والنمسا والدولة العثمانية والبرتغال، إلى جانب عدد من الدويلات الألمانية، بينما وقفت إسبانيا إلى جانب فرنسا. ومع اتساع رقعة النزاع، تحولت منطقة مضيق جبل طارق إلى إحدى أهم ساحات المواجهة البحرية بين الطرفين.

معارك بحرية قرب الجزيرة الخضراء

سعى الفرنسيون، بدعم إسباني، إلى تعزيز نفوذهم في المنطقة ومحاولة انتزاع السيطرة على جبل طارق الذي كان خاضعاً لبريطانيا منذ مطلع القرن الثامن عشر. وفي هذا السياق، شهدت المياه القريبة من مدينة الجزيرة الخضراء، التابعة حاليا لمقاطعة قادش الإسبانية، سلسلة من المعارك البحرية العنيفة عام 1801.

في حين بلغت المواجهات ذروتها خلال معركتين متتاليتين عُرفتا باسم معركتي الجزيرة الخضراء الأولى والثانية، وانتهت إحداهما بحادثة نيران صديقة تعد من بين الأسوأ في التاريخ البحري.

معركة الجزيرة الخضراء الأولى

في 6 يوليو (تموز) 1801، وصلت قوة بحرية فرنسية بقيادة الأميرال شارل لينوا إلى ميناء الجزيرة الخضراء، حيث قررت التوقف مؤقتاً قبل التوجه إلى القاعدة البحرية الإسبانية في قادش. وكان الهدف من هذه الخطوة الالتحام بالسفن الإسبانية وتشكيل أسطول مشترك قادر على إبعاد البحرية البريطانية عن المنطقة والتصدي لأي محاولة اقتراب من جبل طارق.

في المقابل، سعى الأميرال البريطاني جيمس سوماريز إلى إحباط هذه الخطة، فوضع استراتيجية لمهاجمة الفرنسيين قبل أن يتمكنوا من الاتحاد مع حلفائهم الإسبان.

وعندما اندلعت المعركة، نجحت القوات الفرنسية في صد الهجوم البريطاني مستفيدة من الدعم الذي وفرته المدافع الإسبانية المنتشرة في الميناء. ومع تزايد خسائرهم، اضطر البريطانيون في النهاية إلى الانسحاب.

التحضير لمواجهة جديدة

بعد انتهاء المعركة الأولى، وصلت سفن حربية إسبانية إلى الجزيرة الخضراء لتقديم الدعم للسفن الفرنسية المتضررة ومرافقتها بأمان نحو قادش.

في الوقت نفسه، لم يستسلم سوماريز للهزيمة، فأمر طواقمه بإجراء إصلاحات سريعة لسفنه في عرض البحر والاستعداد لمواجهة جديدة. وخلال ليلة 12 إلى 13 يوليو (تموز) 1801، قرر تنفيذ هجوم مفاجئ لمنع الأسطول الفرنسي الإسباني من الوصول إلى قادش.

فيما اعتمد البريطانيون بصورة رئيسية على سفينة الخط “إتش إم إس سوبرب” التي اشتهرت بسرعتها وقدرتها على المناورة ليلاً، فضلاً عن تسليحها القوي المؤلف من 74 مدفعاً.

كارثة النيران الصديقة

مع اقترابها من الأسطول المشترك، فتحت “سوبرب” نيرانها وأصابت مباشرة السفينة الإسبانية “ريال كارلوس”، كما تمكنت في الوقت نفسه من أسر السفينة “سان أنطونيو”.

وأدى القصف البريطاني إلى اندلاع حريق على متن “ريال كارلوس”. وفي ظل الظلام الدامس والفوضى التي عمّت المعركة، اعتقد طاقم السفينة أن مصدر النيران سفينة بريطانية أخرى، فبدأ بإطلاق قذائفه بشكل عشوائي.

لكن القذائف أصابت عن طريق الخطأ السفينة الإسبانية “سان هرمنيغلدو” المجهزة بـ112 مدفعاً. وظناً منها أنها تتعرض لهجوم معاد، ردت الأخيرة بإطلاق النار على مصدر القصف، ليتحول الاشتباك بين السفينتين الإسبانيتين إلى مأساة كبيرة.

أكثر من 1700 قتيل

وسط تبادل النيران بين السفينتين الحليفتين، اشتعلت الحرائق على متنيهما قبل أن تنفجرا وتغرقا خلال ما عرف بمعركة الجزيرة الخضراء الثانية.

بينما أودت الكارثة بحياة أكثر من 1700 بحار إسباني، لتسجل كواحدة من أسوأ حوادث النيران الصديقة في التاريخ البحري. وبعد هذه الخسائر الضخمة، انسحب الأسطولان الفرنسي والإسباني من المنطقة، بينما تمكن البريطانيون من فرض سيطرتهم وتحقيق النصر في المعركة.

تداعيات الهزيمة

أضعفت الخسائر البشرية والمادية الفادحة الموقف الإسباني في محيط جبل طارق بشكل ملحوظ. ومع تراجع قدرتها على مواصلة القتال في المنطقة، بدأت مدريد تنظر بجدية إلى خيار الانسحاب من الحرب وترك فرنسا تواجه خصومها الأوروبيين بمفردها.

زر الذهاب إلى الأعلى