اربد ..إنهيار العمارة ، الأسباب والأبعاد ، وغياب الرقابة على الأبنية

كتب رئيس تحرير “آفاق الإخبارية”
سقوط “للقصارة” وسماع أصوات “طقطقة” في هيكل البناء ..وحركات وإشارات شعر بها سكان العمارة كنوع من الإشارة على إنهيار متوقع ، وقريب ..ولعل حالة الهلع والخوف ، كانا سببا في قيام سكان العمارة في إبلاغ الجهات المختصة في اربد عن إشارات إنهيار متوقع للعمارة التي يفطنون بها ، مما دفع بالجهات ذات العلاقة بالإسراع بإخلاء العمارة المكونة من 6 شقق ومحلات تجارية في المنطقة الشرقية من مدينة اربد ، فجر الأثنين الماضي لتنهار العمارة عند الرابعة من عصر اليوم ذاته بشكل عامودي ، وإنهيار كلي في مشهد لم تألفه هندسة العمارة الأردنية ..فما هي الأسباب الكامنة خلف الإنهيار لمبنى ظن البعض أنه متماسكا وقويا وفق المشهد البصري للعمارة لكل عابر طريق يراها أو يرتاد محلاتها التجارية قبل الإنهيار .!
*صدمة وإستغراب ..
وعلى الرغم من منظر العمارة الهاديء والعادي قبل أستلام سكان العمارة إشارات الإنهيار ، لم يخطر على بال أحد أن “تقع” العمارة بهذه البساطة المقرونة بخطورة بالغة لو لم يتم إخلاء شققها الستة المأهولة بالسكان ومحلاتها التجارية في توقيت إخلاء محكم بعد تصدع العمارة بشكل لا يستدعي التأخير ..
وأحدث الإنهيار المباغت للعمارة التي تفيد سجلاتها الترخيصية الى إنشاءها في الثمانينات ، الى صدمة عند “الأرابدة” تسيدت الحديث في المجالس الأردنية عموما ..،لكن السؤال الأبرز المتناقل على لسان أبناء المدينة :كيف أنهارت العمارة ومن يتحمل المسؤولية .؟
*إجابات تقليدية وأسئلة كبيرة ..؟
“آفاق الإخبارية” رصدت واقعة الإنهيار ، وتابعت تصريحات كثيرة من لدن المعنيين بالأمر ، غير أن الإحابات أخذت الطابع التقليدي في مجملها ، دون أن تضع اليد على الجرح بشكل يتوافق مع حجم الكارثة التي وقعت ، دون وقوع خسائر بشرية ، وأقتصرت على إنهيار عمارة كلفتها السوقية نصف مليون دينار مع محتويات الشقق الستة المأهولة وفق تقديرات سكان في العمارة المنهارة الذين تقطعت بهم السبل ،وأصبحوا بلا ماوى .؟!
*من يتحمل المسؤولية .؟
هذا السؤال حملته “آفاق الإخبارية” وطرحته على رئيس بلدية اربد الكبرى السابق د.نبيل الكوفحي الذي ابدى أسفه للحادثة منوها بذات الوقت الى أخطاء تخللت البناء المتعدد الطوابق نتيجة غياب الرقابة الهندسية والإنشائية في أوقات سابقة ، معتبرا الكوفحي أن ما حدث للعمارة لم يكن خارج التوقعات .
وأستشهد الكوفحي الذي يحمل الدكتوراة في الهندسة المدنية والخبرة في العمل البلدي بكثير من المخالفات التي كاتت ترافق البناء في أوقات سابقة بالإضافة لغياب الرقابة وقدم البناء في بعض الأمكنة في المدينة ضاربا مثل حسبة اربد المعروفة بإسم “الجورة” التي تم هدمها بقرار مجلس بلدي قبل نحو سنة ونصف لأنها آيلة للسقوط ..وقال :”لو لم نهدم الحسبة لسقطت على رؤوس التجار والمواطنين الذين يرتادون الحسبة ووقعت كارثة ، لكن – يقول الكوفحي – أزلناها بقرار بلدي ولم ننتظر الكارثة .
*تشريعات التنظيم والأبنية ..
التشريعات المتعلقة بالتنظيم والابنية وكثرة تعديلاتها لا زالت تعطي انطباعات ليست جيدة وعميقة ربما لدى كثير من المواطنين ، وخصوصا ما يتعلق بامكانية البناء المخالف بدون ترخيص مسبق ودون مخططات أيضا ولا إشراف هندسي ومن ثم يضع البلديات امام فرض الأمر الواقع والترخيص ومنح إجازة البناء وهو أمر عانت منه البلديات لسنوات طويلة .
*الرئيس السابق لبلدية اربد الكبرى ماذا يقول.؟
الكوفحي : رغم تشديد الغرامات المالية على الابنية المخالفة في السنوات القليلة السابقة، إلا ان واقع الحال لم يتغير كثيرا، ومن باب الإنصاف فقد تحسن اداء شركات الإسكان كثيرا في السنوات الأخيرة.
وحينما كنا في بلدية اربد الكبرى كنا نشدد على الحصول على التراخيص اللازمة مع تقديم المخططات الهندسية الحقيقية قبل الشروع في البناء، وكنا نطلب شهادة سلامة منشأة للأبنية القديمة، ومحاضر اللجنة اللوائية واكثير من لمعاملات شاهدة على ذلك. لأننا كنا نعي اهمية البناء المتفق مع احكام التشريعات ونعتقد بأهمية ذلك من ناحية هندسية وسلامة للبناء مستقبلا وليس فقط التزاما بالتشريعات.
*الصلاحيات بمنع المخالفات ..
الصلاحيات في ضبط المخالفات ومنع البناء مسؤولية من وكيف يتم التنفيذ ، سؤال طرحته “آفاق الإخبارية” على الكوفحي ليجيب : منع المخالفات لا زال مقيدا للبلديات، فهي غالبا ما تلجأ لمخاطبة الحاكم الإداري- شأنها شأن كافة أشكآل المخالفات الأخرى- والذي بدوره يخاطب الجهات الامنية لإحضار المخالفين، وهذا يأخذ وقتا طويلا يجعل صاحب المخالفة يكمل البناء ووضع البلديات تحت الأمر الواقع.
ويضيف الكوفحي : إن معارضة البعض لاجراءات البلديات في الاحتكام للتشريعات يتم عن جهل مؤسف في ان البناء له عمر زمني، وان صلاحية البناء الحالية لا تعني ان يبقى صالحا لمدة طويلة شأن تلك الابنية التي أسست بشكل صحيح وتم ترخيصها وفق الأصول.
ويعود م.الكوفحي الى التذكير بهدم الحسبة وسط اربد ليقول عبر “آفاق”: لعلها مناسبه ان أشير إلى قرار بلدية اربد الكبرى بهدم حسبة الخضار والفواكه ( حسبة الجورة) والذي كانت اجزاء من سقفه قد تساقطت والبقية تشكل خطرا محدقا على ارواح التجار والمواطنين والذي كانت كل التقارير الفنية تشدد على ضرورة اخلائه وإزالته ، لقد قامت البلدية بالاتفاق مع التجار وبقناعاتهم المطلقة وبتدخل كريم من غرفة تجارة اربد ان هناك خطرا حقيقا عليهم، وأوفت البلدية بالتزماتها بالسير بالاجراءات لهدمها وإعادة بنائها، وبرغم كل العراقيل التي وضعت في طريقها لإنفاذ ذلك المشروع، فقد حصلت على قرض من البنك الإسلامي الأردني في شهر 1/ 2025 وأحالت المشروع حسب الأصول على شركة مؤهله في شهر 5 / 2025 ولا زالت بانتظار موافقة الوزارة على الإحالة برغم المتابعة اليومية لذلك.
ويقول الكوفحي بلغة العتاب والنقد : اقول لمن أعابوا على البلدية قيامها بذلك، ولن قيل انهم فرحوا ووزعوا الحلوى لحل المجالس البلدية ومنها اربد بسبب قرار هدم الحسبة وإعادة بنائها:
ما هو قولكم بعد انهيار بناية لم تظهر عليها مسبقا إشارات الانهيار؟
ويختم الكوفحي بسؤال إفتراضي : ماذا لو انهارت الحسبة – لا قدر الله- على رؤوس التجار والمواطنين؟
هل سنسلم جميعنا امام الله اولا ثم امام الناس واخيراً امام المواطنين والقانون؟
*الرأي الهندسي ..
ماذا يقول رئيس فرع نقابة المهندسيين في اربد م.محمود الربابعة ..وهل ما حدث هو نتاج طبيعي لغياب الرقابة .؟
إجابة م.الربابعة وصفت إنهيار العمارة بانه يعود
إن السبب الجوهري لانهيار البناية إلى قدم البناء وتهالك العناصر الإنشائية الحاملة التي لم تكن مصممة لتحمل الحمولات الإضافية الناتجة عن الأدوار التي أُضيفت في السنوات الماضية دون دراسة هندسية ولم تطبق عليها كودات البناء الاردني المعتمدة وفق تأكيدات م.الربابعة .
*إضافة بناء دون فحص للتربة ..
ووصف الربابعة قائلا : أن البناية المنهارة والمكونة من ست شقق سكنية ومحلين تجاريين منشأة قبل ثمانينات القرن الماضي وقد أضيف إليها طابقان ثالث ورابع بعد سنوات من إنشائها وفي حقبة الثمانيات لم تخضع لإجراء فحص تربة أو تطبيق الكودات الهندسية المعتمدة حاليا.
وفيما يتعلق بالعناصر الإنشائية أكد رئيس فرع نقابة المهندسيين في اربد أن العناصر الإنشائية القديمة لم تكن مؤهلة لتحمل الحمولات الجديدة مما أدى إلى حدوث تهتك تدريجي في الأعمدة الحاملة وانهيار المبنى مضيفا م.الربابعة أن الانهيارات الإسمنتية لا تحدث بشكل مفاجئ بل تسبقها عادة مؤشرات إنذارية حيث شعر أحد القاطنين في الطابق الأرضي قبل أيام بتساقط “القصارة” وسماع أصوات طقطقةكما شهدت البناية يوم أمس الإثنين عند الساعة الرابعة عصراً تهتكا في الأعمدة وتصدعات متزايدة ما دفع فرق السلامة العامة إلى إخلاء السكان بشكل فوري.
وكان م. الربابعة زار الموقع عقب إنهيار العمارة بتكليف من لجنة السلامة العامة لتقييم مدى تأثر المباني المجاورة .
ووصف الربابعة انه وبعد الكشف الحسي تبين أن الانهيار تم بشكل رأسي دون ميلان، وسقطت المخلفات داخل حدود أرض البناية دون أن تصيب المباني المجاورة بأضرار إنشائية.
*لجنة متخصصة.
وكانت الجهات ذات العلاقة قد شكلت لجنة متخصصة للتقييم الأولي الذي أشار أن قيمة الأضرار الإنشائية والمادية بما في ذلك محتويات الشقق تجاوزت نصف مليون دينار .
وعلمت “آفاق الإخبارية” أن لجنة متخصصة ستقوم لاحقا بحصر وتقدير الخسائر بناء على إفادات السكان.
*رسالة تحذيرية..
وعبر منبر “آفاق الإخبارية ” دعا رئيس نقابة المهندسيين في اربد م.الربابعة مالكي الأبنية القديمة في الأردن إلى عدم إضافة أدوار جديدة فوق مبان قائمة دون إجراء دراسة هندسية إنشائية لمعرفة وتحديد قدرة التحمل البنية الهيكلية للبناء .
*عشرون عاما فما فوق..
وأعتبر رأي هندسي متخصص في هندسة العمارة أن أي مبنى يتجاوز عمره أكثر من 20 عاماً يستوجب الخضوع لتقييم هندسي دقيق لتحديد قوة تحمله ومعرفة دعائمه البنيوية التي قد تحتاج إلى تدعيم وتأهيل قبل اي بناء إضافي .
*رقابة وإعادة تقييم ..
يبقى السؤال :ما هو مصير المباني متعددة الطوابق التي يزيد عمرها على 40عاما ،وربما أكثر في وسط اربد القديمة ،وما حولها ، وهل هناك رقابة وإعادة تقييم من قبل الجهات المختصة قبل أن تقع كارثة أخرى لا قدر الله على رؤوس الآدميين ..هي رسالة لجميع أصحاب القرار الرسمي للبدء في إصلاح النظم الرقابية على البناء وإعادة تقييم الأبنية القديمة وتحديد مستوى سلامتها .



